محرم الحرام٧ محرم ١٤٤٧ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

التوفيق بين المبادئ الإسلامية والواقع العالمي المعاصر

قيمة الإنسان بين الدين والواقع

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهل بيته المنتجبين.

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]

مدخل: هل يصطدم الدين بالواقع؟

هناك سؤالٌ مطروحٌ مفادُه أنّنا لا نجد انسجامًا بين المبادئ الدينية وبين الواقع. فأصغر مثالٍ على ذلك أنّه لا يخلو اليوم مطعمٌ ولا مسبحٌ ولا نادٍ ولا سوقٌ من الموسيقى، فهل يمكن للإنسان أن يمارس حياته الاعتيادية دون استماعٍ للموسيقى التزامًا بهذا المبدأ الديني؟ أم أنّه من أجل أن ينسجم مع هذا الواقع الذي فرض نفسه لا بدّ أن يُخضِع هذا المبدأ للواقع الذي يعيش فيه؟

هل هناك صراعٌ بين الدين والواقع؟ هل هناك صراعٌ بين المبادئ الدينية والحضارة التي فرضت نفسها على الإنسان، أم لا؟ في حديثنا حول هذا الموضوع نتعرّض لثلاثة محاور: في قيمة الإنسان، وفي الصراع بين الدين والواقع، وفي بيان الأصالة للدين لا للواقع.

المحور الأول: قيمة الإنسان

نلاحظ أنّ القرآن الكريم ركّز على محورية الإنسان:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١-٣]

الإنسانُ محورٌ في هذه الحياة، لكنّ السؤال: ما هي قيمة الإنسان؟ أين تكمن قيمة الإنسان؟ ما هي القيمة التي تجعل من الإنسان محورًا للحياة؟ هنا ثلاثة اتجاهات: اتجاهٌ ماديّ، واتجاهٌ اقتصاديّ، واتجاهٌ مبدئيّ.

الاتجاه الأول: الحرية

الاتجاه الماديّ الذي تروّج له الحضارة الغربية يرى أنّ قيمة الإنسان بالحرية، فالحرية هي الميزان في قيمة الإنسان؛ لأنّ الحرية هي الطريق لبناء الحضارة، إذ تخلق تنافسًا شريفًا وحرًّا بين أبناء المجتمع الإنساني. وحول الحرية وُجدت الأسواق ووُجدت التجارات، فالحرية تخلق تنافسًا شديدًا بين الناس في التعليم والإنتاج والاستيراد والصناعة وكلّ المجالات، وهذا التنافس هو الطريق لبناء الحضارة. فالحرية هي النكتة والسرّ في قيمة الإنسان.

لكنّ هذا الاتجاه غير صحيح؛ لأنّ هناك فرقًا بين الحرية الطبيعية والحرية القانونية. الحرية الطبيعية هي الإرادة الموجودة عند الإنسان، ومن الطبيعي أنّ هذه الإرادة عنصرٌ جوهريٌّ أصيلٌ في شخصية الإنسان، وقد ذكره القرآن الكريم:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]

﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨-١٠]

هذه حريةٌ طبيعيةٌ موجودة، لكنّ الحرية القانونية تختلف عنها؛ فهي تعني أنّ القانون يكفل للإنسان حرية التصرّف في كلّ المجالات بشرط أن لا يزاحم حرية الآخرين.

فهل هذه الحرية القانونية هي قيمة الإنسان؟ الجواب: لا، لأمرين:

أولًا، لأنّ هذه الحرية لم تصبح طريقًا لبناء الحضارة، وإنّما أصبحت سلاحًا بيد الأقوياء مقابل الضعفاء، إذ فتحت المجال لمجموعةٍ من البشر أن تمتلك الشركات العملاقة العابرة للقارّات في مجال الأدوية والأغذية والصناعة والتكنولوجيا وجميع وسائل العيش والحياة. ومقابل هذه الطبقة التي تحكم اقتصاد العالم، هناك الطبقة العمالية الكادحة التي تعيش مرارة الكدح من الصباح إلى الغروب. الحرية أنتجت عالمًا طبقيًّا بهذه الصورة، كما ترى مآسيه في هذا العالم كلّه.

وثانيًا، أنّ هذه الحرية القانونية هدمت القيم الأخوية: قيمة الإحسان، وقيمة الإنصاف، وقيمة الإيثار، وقيمة التعاون؛ هذه القيم التي تنبثق من فطرة الإنسان وطبيعته اختفت من الخارطة عندما فُتحت الحرية القانونية على مصراعيها، فصار الكلّ يفكّر في جيبه وبطنه ووسادته الناعمة، أمّا غيره فكيف عاش وإلى أين وإلى متى؟ فهذا سؤالٌ هامشيٌّ في حياة الإنسان. إذًا هذا الاتجاه غير صحيح.

الاتجاه الثاني: الطاقة الاقتصادية

الاتجاه الاقتصاديّ يرى أنّ قيمة الإنسان في كونه ثروةً اقتصادية، فالإنسان مثل أيّ طاقةٍ أخرى، كطاقة الغاز وطاقة البترول؛ فهو طاقةٌ تقوم عليها الحضارة، وقيمته في كونه طاقةً رافدةً للحضارة.

هذا الاتجاه أيضًا غير صحيح؛ لأنّ قيمة الإنسان في إدارة الطاقة، لا في كونه طاقة. فما الفرق بين الإنسان والغاز والبترول وأيّ شيءٍ آخر؟ ليست قيمة الإنسان التي أعطته محوريةً في الحياة أنّه طاقة، وإنّما القيمة التي أعطته هذه المحورية هي إدارة الإنسان للطاقة، وتنظيمه لأولوياته ولحياته بحيث يدير الطاقات بين يديه إدارةً عادلة، وليس في كونه طاقةً فحسب.

الاتجاه الثالث: المبدئية

قيمة الإنسان في المبدئية؛ لا في الحرية ولا في كونه طاقةً مختزنةً في جسمه، بل في أن يكون الإنسان صاحب مبادئ. فالإنسان له هويّتان: هويّةٌ بكونه إنسانًا له جسمٌ ولحمٌ ودمٌ وكتلةٌ مادية تتحرّك على الأرض، وهويّةٌ مبدئية.

الهويّة المبدئية تعني منظومةً متناسقةً من المعتقدات والممارسات والرموز التي تشير إلى الانتماء لدينٍ معيّنٍ أو مذهبٍ معيّن. فقولي "أنا إماميّ" يعني أنّ هذه الهويّة تحمل مجموعةً من المعتقدات، ومجموعةً من الممارسات والشعائر، ومجموعةً من الرموز أنتمي إليها، كلّها تشير إلى تلك الهويّة الإيمانية الإمامية.

ولنركّز على الهويّة المبدئية الإسلامية، فهي ذات أبعادٍ أربعة:

  • البعد الأول: العقائديّ، وهو الإيمان بأصول الدين الخمسة.
  • البعد الثاني: الشعائريّ، لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
  • البعد الثالث: القيميّ الأخلاقيّ، وقد قال الإمام عليٌّ عليه السلام: "إنّما الدين المعاملة"، فدينك بكونك إنسانًا تتعامل مع الآخرين معاملةً خُلُقيةً فاضلة.
  • البعد الرابع: الاجتماعيّ، في أن يقوم المجتمع على مبدأ الأخوّة لا على مبدأ التقاطع، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].

فإذا امتلك الإنسان هذه المبادئ امتلك الكرامة التي قال عنها تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وامتلك كيفيّة إدارة الحياة إدارةً تجمع بين مجال التطوّر التكنولوجيّ ومجال التربية والتهذيب الروحيّ. لذلك يقول تبارك وتعالى:

﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]

هؤلاء يمثّلون الهويّة المبدئية.

المحور الثاني: هل هناك صراعٌ بين الدين والواقع؟

هناك من يقول: نعم، هناك صراعٌ بين المبادئ الدينية وبين الواقع الذي فرضته الحضارة، ولا يمكن التوفيق بين الطرفين؛ لوجود ثلاث ظواهر.

الظاهرة الأولى: حرمة الربا

إذا بقي الإسلام يحرّم الربا تحريمًا مطلقًا بشتّى صوره وأنحائه، فهو يصطدم مع الحضارة؛ لأنّ الإنسان المسلم اليوم لا يمكنه أن يشتري مسكنًا أو سيارةً أو يوفّر مصاريف الزواج أو تكاليف العلاج إلّا بالاقتراض من البنك الربويّ. ولا يوجد اليوم في العالم، حتى في الدول الإسلامية، إلّا البنوك الربوية القائمة على الفائدة. والبنك الربويّ يحتجّ بأنّه لا يستطيع تجميد ثروةٍ في يد إنسانٍ لسنين تفوته فيها فرص الاستثمار من دون فائدة، فالفائدة تعويضٌ عن الفرص الاستثمارية أو عن فقدان العمل للقوّة الشرائية بمرور الزمن.

فكيف يوفّق المسلمون بين هذا الواقع وبين قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩]؟

لذلك ذهب جملةٌ من الفقهاء إلى ما يُعبَّر عنه بـحِيَل التخلّص من الربا. فبعضهم فرّق بين الربا الإنتاجيّ (كإقراض شركةٍ منتجةٍ رابحة) والربا الاستهلاكيّ (كإقراض إنسانٍ مستهلكٍ لمصاريف الزواج أو العلاج، وهذا ظلمٌ محرّم). وبعضهم اقترح تعويض العملية الربوية بعملية التورّق، وهي أن يشتري البنك السلعة المطلوبة ثمّ يبيعها على طالب القرض بسعرٍ أعلى، فتتحوّل عملية القرض إلى عملية بيعٍ وشراء. وهذه المحاولات كلّها ناشئةٌ من ضغط الواقع الذي فرضه وجود البنك الربويّ على هذا العالم.

الظاهرة الثانية: المرأة بين الطموح والحجاب

المرأة اليوم بين خيارين: هل يمكنها أن تلبّي طموحاتها في التعليم والوظيفة، بأن تصبح مديرة شركةٍ أو عضو برلمانٍ أو وزيرةً، وهي محافظةٌ على الحجاب الزينبيّ وعلى حرمة الخلوة والاختلاط؟ إنّ الواقع المرير يفرض عليها، إذا أرادت تلبية طموحاتها -خصوصًا المرأة الطبيبة أو رئيسة الشركة أو مديرة المؤسسة- أن تختلط بالرجل.

والقرآن يقول:

﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

أي أن تمشي المرأة بحشمةٍ ووقارٍ لا تثير الآخرين، فهل يمكن لها أن تلتزم بهذه النظرة وهي تريد الوصول إلى موقعٍ مرموقٍ في الوظيفة أو التعليم؟ وقد سُئلت السيدة الزهراء عليها السلام: ما خيرٌ للمرأة؟ فقالت: "أن لا ترى الرجل ولا يراها". فكيف تجمع المرأة بين هذه المبادئ وبين هذا الواقع، مع أنّ الاختلاط والخلوة يقودان إلى تبادل التحية والابتسامة وغيرها من اللوازم المحرّمة؟

الظاهرة الثالثة: ظاهرة الانتقاء

بعض المتديّنين اليوم يلتقط الفتاوى؛ كلّ فتوى فيها سهولةٌ يأخذها، لا يهمّه مصدرها، أفقيهٌ إماميٌّ أم عالمٌ من مذهبٍ آخر؟ بل حتى الذكاء الاصطناعيّ صار يُستفتى. أصبح بعضهم لا يُقلّد فقيهًا معيّنًا، بل يأخذ الفتاوى التي تنسجم مع سلاسة الحياة، فيأخذ من مصدرٍ فتوى جواز استماع الأغاني، ومن آخر فتوى جواز الزواج بالكتابية زواجًا دائمًا، ومن ثالثٍ فتوى جواز مصافحة المرأة الأجنبية بلا شهوة، وهكذا يجمع الفتاوى التي تريحه وتنسجم مع سبيل حياته. وهذه ظاهرة الالتقاط ناتجةٌ عن أنّ هذا الإنسان لا يريد أن يترك الواقع الذي هو فيه لأجل المبادئ الدينية التي يعتقد بها.

المحور الثالث: أصالة الدين لا الواقع

الأمر الأول: نظرية الثابت والمتغيّر

الدين هو الكامل، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهو الخاتم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وهو الثابت، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وهو الشامل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨].

هذا الدين الكامل الشامل، هل يفقد المرونة والمواكبة للحياة بحيث تصادم أحكامه واقع الإنسان وحاجاته؟ غير ممكن، فقد ورد في الحديث الصحيح: "حلال محمدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرام محمدٍ حرامٌ إلى يوم القيامة"، وفي الحديث الصحيح: "ما من واقعةٍ إلّا ولله فيها حكم".

والجواب عن ذلك عندنا نظرية الثابت والمتغيّر، وهي بحثٌ أصوليٌّ في الحوزة، ونذكر هنا مرورًا عليها ليكون القارئ على اطّلاع. وفيها ثلاثة آراء:

الرأي الأول: رأي السيد الطباطبائيّ صاحب "الميزان" في كتابه "ملامح الإسلام" (ص٦٣)، وحاصله أنّ الحاجات على قسمين: حاجاتٌ فطرية كحاجة الإنسان إلى العبادة وإلى نظامٍ ينظّم معاملاته من بيعٍ وشراءٍ وطلاقٍ وزواج، وهذه أحكامها ثابتة. وحاجاتٌ عرضية متغيّرة نشأت عن التطوّر التكنولوجيّ الذي فرض تغيّرًا ثقافيًّا وحاجاتٍ مستجدّة، مثل كيفية الصلاة في الطائرة، أو كيفية أداء الصلوات والصوم لمن يسافر إلى القطبين حيث يمتدّ النهار أو الليل شهورًا. فالأحكام المعالِجة للحاجات الثابتة قانونٌ ثابت، والمعالِجة للحاجات المستجدّة قانونٌ متغيّر.

الرأي الثاني: نظرية الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه "اقتصادنا" (ص٧٢١)، وهي نظرية منطقة الفراغ. فالتشريع منطقتان: منطقة امتلاءٍ تتضمّن الأحكام الإلزامية (واجباتٍ ومحرّمات) لا تتغيّر، ومنطقة فراغٍ هي منطقة المباحات، لا تعني الفراغ من الحكم الشرعيّ بل الفراغ من الإلزام، ويمكن للفقيه بما هو وليّ الأمر أن يملأها بأحكامٍ إلزاميةٍ طبقًا للمصالح العامة. فمثلًا: قال النبيّ صلى الله عليه وآله: "من أحيا أرضًا مواتًا فهو أحقّ بها"، وفي الماضي كان الإنسان يُحيي بضع مئات الأمتار، أمّا اليوم فيمكن لشركةٍ ضخمةٍ أن تُحيي ملايين الكيلومترات، فهل تملكها كلّها؟ يرى السيد الصدر أنّ هذا حكمٌ ترخيصيٌّ في منطقة الفراغ، وإذا فُتح على مصراعيه في زماننا خالف قانون العدالة وولّد طبقيةً، فللفقيه أن يتدخّل ويمنع الإحياء بأكثر من المتعارف، عملًا بقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧].

الرأي الثالث: ذكره بعض الأعلام قدّس سرّه في "صحيفة النور"، وهو أنّ الحكم تابعٌ للزمكان، أي لا يتغيّر إلّا إذا تغيّر موضوعه، وينبغي قراءة الموضوع بالنظر الدقيق المبنيّ على ملاحظة عامليّ الزمان والمكان لا بالنظر العرفيّ الساذج. فمثلًا: الشطرنج كان في زمنٍ سابقٍ أداةً للقمار فكان محرّمًا، وتغيّرت الثقافة فأصبح -بنظر بعضهم- أداةً للرياضة العقلية فحلّ، وإن كان المشهور بين الفقهاء حرمته.

الرأي المعروف بين الفقهاء

النظرية المعروفة بين فقهائنا أنّ الحكم لا يتغيّر إلّا بتغيّر موضوعه تغيّرًا حقيقيًّا؛ كالمسافر إذا صار حاضرًا فتغيّر حكمه من القصر إلى التمام، وكالصحيح إذا مرض فسقط عنه الصوم وقضاه. إلّا في موارد ثلاثة:

المورد الأول: تغيّر الحكم بتغيّر عنوانٍ ثانويٍّ طرأ عليه. فمثلًا: زراعة الأعضاء لا تجوز -بالعنوان الأوليّ- من الحيّ في أعضائه الداخلية غير إحدى الكليتين، لكن السيد الخوئيّ قدّس سرّه أجاز التبرّع بها بالوصية بعد الموت، فتغيّر الحكم لتغيّر العنوان، وهو عنوان "ما أوصى به الميت".

المورد الثاني: موارد الضرر والحرج، عملًا بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار على مؤمن"، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ومثاله: المرأة الحامل التي يُكتشف أنّ جنينها مشوَّهٌ أو مريضٌ مرضًا خطيرًا. فقبل ولوج الروح (قبل تمام اثني عشر أسبوعًا)، إذا كان بقاء الجنين حرجًا شديدًا على أمّه جاز لها الإجهاض مع دفع الدية، وإلّا فلا. وبعد ولوج الروح لا يجوز الإجهاض مطلقًا لأنّه قتلٌ لنفسٍ محترمة، إلّا إذا صار وجود الجنين خطرًا على حياة الأمّ، فقد أجاز السيد الخوئيّ قدّس سرّه الإجهاض حينئذٍ تقديمًا لحياة الأمّ من باب قاعدة "لا ضرر".

المورد الثالث: الحكم الولائيّ، إذ يمكن للفقيه -بما هو وليّ الأمر عند من يرى الولاية العامة أو الولاية في الأمور العامة كسيدنا السيستانيّ دام ظلّه- أن يصدر حكمًا ولائيًّا يعالج به مصلحةً عامّةً أو يدفع به مفسدةً عامّة. مثاله: نظام البيئة، فقد ورد في الروايات ما ينظر إلى أحكام البيئة وكيفية الحفاظ على نظافتها وسلامتها، فيمكن للفقيه من هذا المنطلق أن يحرّم تلويث البيئة تحريمًا ولائيًّا حفاظًا على المصلحة العامة.

الأمر الثاني: ظاهرة التذبذب والتميّع

عندما نأتي لظاهرة التذبذب والتأرجح، أو ما نعبّر عنه بـتميّع الدين، وهي أن يختار الإنسان من الدين ما ينسجم مع مشتهياته وغرائزه. هذه ظاهرةٌ خطيرة؛ لأنّ الإنسان الحكيم هو صاحب الثوابت التي لا يتنازل عنها ولا يتراجع عنها، أمّا الذي يتنازل عن ثوابته فلا يمتلك هويّةً مبدئية.

كما نحافظ على الكرامة والعدالة لأنّهما من ثوابت الإنسان، كذلك نحافظ على الدين لأنّه أعظم الثوابت وأغلاها وأعزّها. يقول تعالى:

﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]

﴿وَمَن يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: ١١٥]

فالدين أغلى شيءٍ عند الإنسان، أغلى من دمائه وأمواله وأملاكه، وهو الثابت الحقيقيّ. فالإنسان المبدئيّ هو الذي يحافظ على ثوابت الدين ولا يتنازل عنها بذرائع مختلفة، بحجّة أنّ الدين يصارع الحياة ولا يلتقي مع الواقع؛ ففي الثبات على الدين عزّةٌ للإسلام، يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].

ولماذا يعيش الإنسان حالة التذبذب؟ يقول تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]

وهذا التذبذب ناتجٌ إمّا عن ضعف الثقافة الدينية، وهذا ليس عذرًا لأنّ الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وإمّا عن روح الانهزامية والانبهار أمام الغرب، إذ يرى الإنسان أنّ هذا التطوّر التكنولوجيّ منتهى الكمال، ويغيب عنه ما يعيشه الغرب من مآسٍ وألوانٍ من الأمراض النفسية والاضطرابات والانحطاط في القيم الأخلاقية. ونتيجة هذا الانهزام يتنازل عن دينه وثوابته لينسجم مع بعض محطّات حياته، وهذا ليس ثباتًا على الدين. يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].

الأمر الثالث: العباس بن علي ودرس الثبات على الدين

الاحتفال بذكرى كربلاء مظهرٌ للجزع الذي هو عبادةٌ لله تبارك وتعالى، ولتعليمنا قيم كربلاء، ومن أعظمها الثبات على الدين. كان بإمكان أبطال كربلاء أن يقولوا: الواقع فرض نفسه، فماذا نستطيع؟ معاوية فرض علينا واقعًا فلنقبل به، يزيد فرض علينا واقعًا فلنقبل به، كما قال غيرهم: "الصلاة مع عليٍّ أفضل، والعشاء مع معاوية أدسم". لكنّ أبطال كربلاء قالوا: العزّة للدين، وهذا ما سجّله العباس بن عليٍّ عليهما السلام في رجزه:

"وَاللَّهِ إِنْ قَطَعْتُمُ يَمِينِي *** إِنِّي أُحَامِي أَبَدًا عَنْ دِينِي وَعَنْ إِمَامٍ صَادِقِ الْيَقِينِ"

يجب أن نتعلّم الثبات والإصرار على الدين، وعدم التنازل عن الأحكام الشرعية بذرائع مختلفة: ثباتٌ على الحجاب، ثباتٌ على الحشمة والوقار، ثباتٌ على الالتزام بالصلوات والأحكام الدينية.

وتقرأ في زيارة الإمام الصادق عليه السلام للعباس بن عليٍّ: "أشهد أنّك قد نصحت لله ولرسوله... أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخَلَف النبيّ المرسَل والسبط المنتجَب"، بل شهد له الإمام بالمبالغة في النصيحة: "أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود، فبعثك الله في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء، وأعطاك من جِنانه أفسحها منزلًا وأفضلها غرفًا". فقد وصل العباس مع أخيه الحسين عليه السلام إلى قمّة الإخلاص وقمّة الثبات.

ولذلك رفعت أمّ البنين رأسها بهؤلاء الأولاد العظام الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل الحسين عليه السلام؛ فهي أمٌّ ناصحةٌ مخلصةٌ لآل بيت رسول الله، قدّمت أولادها فداءً لأولاد رسول الله. ولمّا جاء بشر بن حذلم إلى المدينة ينعى الحسين عليه السلام، خرجت النساء الهاشميات، وخرجت أمّ البنين معصّبة الرأس تسأله عن أولادها عثمان وعون وجعفر والعباس، وفي كلّ مرّةٍ يجيبها: "الخلف والبقاء في رأس الحسين"، حتى قالت: "ما سألتك عن أولادي، أخبرني عن حبيبي الحسين".

ولمّا استأذن العباس أخاه الحسين في المبارزة يوم عاشوراء، بعد أن تفطّرت أكباد الأطفال عطشًا، ودّعته زينب العقيلة وضمّته إلى صدرها، ثمّ نزل إلى الفرات فملأ القربة، وتذكّر عطش أخيه الحسين وأطفال الحرم فلم يشرب، وعاد يقاتل حتى قُطعت يمينه فقال: "والله إن قطعتموه يميني، إني أحامي أبدًا عن ديني"، ثمّ قُطعت شماله، ثمّ ضُرب بعمودٍ على رأسه فخرّ صريعًا، وقد أراقت السهام ماء القربة، فنادى: "أخي حسين عليك منّي السلام".

اللهم صلّ على محمدٍ وآل محمد، اللهم بحقّ أبي الفضل العباس وبحقّ أمّه أمّ البنين وأولادها الشهداء، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفّر عنّا سيّئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، اللهم اشفِ مرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائجهم يا أرحم الراحمين، اللهم عجّل فرج وليّك وابن أوليائك واجعلنا من أنصاره وأعوانه، اللهم ارحم أمواتنا وأموات المؤمنين والمؤمنات.