كيف تكون أحسن عملاً: التزاوج بين الموت والحياة والكمال الإنساني

خَلْقُ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ: تَأَمُّلٌ فِي مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَالْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

يقول الله تبارك وتعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]

انطلاقًا من هذه الآية المباركة، نتحدث عن محاور ثلاثة.

المحور الأول: معنى خَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ

تقول الآية المباركة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، وهنا يتبادر سؤالٌ مهم: الحياةُ يمكن أن تُخلَق، لأنها وجودٌ ونمو، لكن ما معنى خلق الموت؟ فالموت عَدَمٌ ومَحْوٌ وانمحاءٌ وانقضاء، فكيف يُخلَق شيءٌ عدمي؟

الإجابة الأولى: الموت حركةٌ وانتقال، لا عَدَم

الموت ليس عدمًا مَحْضًا، بل هو عبارة عن انتقال وحركة من عالَمٍ إلى عالَمٍ؛ فالروح تتحرك وتنتقل من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وهذه الحركة نوعٌ من الوجود، فلذلك يصحّ أن يُقال: "خَلَقَ اللهُ الموتَ". وقد عبّر أبو العلاء المعري عن هذا المعنى بقوله:

خُلِقَ الناسُ للبقاءِ فضَلَّتْ
أُمَّةٌ يَحسِبونَهم للنَّفادِ
إنما يُنقَلونَ مِن دارِ أعمالٍ
إلى دارِ شِقوَةٍ أو رَشادِ

فالمسألة مسألةُ حركةٍ وانتقال، والناس لم يُخلقوا للفناء، بل خُلقوا للبقاء.

الإجابة الثانية: التزاوج بين الموت والحياة

هذه إجابة دقيقة تستحق التأمل: إن الآية المباركة لم تقصد أن الحياة خُلِقت مستقلةً وأن الموت خُلِق مستقلًا، وإنما المقصود خَلْقُ التَّزَاوُجِ والاقتران بين الموت والحياة. فكل موجود من موجودات هذا الكون يعيش حركةً متأرجحة بين الموت والحياة في كل لحظة وثانية.

فجسم الإنسان مثلًا يفقد في كل لحظة آلاف الخلايا ويكتسب آلاف الخلايا الجديدة، أي إنه يعيش موتًا وحياة معًا في آنٍ واحد، وإلا لما استطاع هذا الجسم أن يتحرك؛ فـالحركة انتقالٌ من موتٍ إلى حياة، ومن عدمٍ إلى وجود. وهذا الأمر ينطبق على النبات والحيوان وكل موجودٍ، فكلٌّ منها يعيش فقدانًا واكتسابًا في الوقت نفسه.

إذن، فمعنى الآية أن الله خلق تزاوجًا وتقارنًا بين الموت والحياة حتى تتحقق الحركة، لأن الحركة لا تتحقق إلا بهذا التزاوج. والغاية من هذا التزاوج هي الوصول إلى العمل الأحسن، كما ختمت الآية: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.

المحور الثاني: لماذا خَلَقَ اللهُ الإنسانَ؟

أليس الله غنيًّا عن خلقه؟ لو لم يخلق الله الإنسان، هل كان يترتب على ذلك ضرر؟ يقول الله تبارك وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر: ١٥]

فبما أن الله غنيٌّ، فلماذا خلق الإنسان، ولماذا صارت هذه المآسي وهذا التاريخ الأسود المليء بالمظلومين والمضطهدين؟

قاعدة فلسفية: الفاعل الناقص والفاعل الكامل

للإجابة عن هذا السؤال ننطلق من قاعدة فلسفية تقول: الفاعل الناقص يكتمل بفعله، وأما الفاعل الكامل فغايته ذاته.

نمثّل لذلك بمثالٍ تقريبي: شخصٌ فيه بخلٌ وفيه كرمٌ معًا، فإذا أدرك أن لديه نصيبًا من البخل، قام يُكرم الناس وينفق عليهم، كما قال الله تعالى:

﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣]

فهذا الإنسان ينفق وهدفه أن يكتسب الكرم ويكمل نقصه؛ فهو فاعلٌ ناقص غايته من عمله أن يكمل ذاته.

أما الفاعل الكامل، فمثاله رجلٌ كريمٌ بطبعه، كحاتم الطائي، فلو سألناه: لماذا تعطي الناس وأنت لست بحاجة إلى أن يُقال عنك كريم؟ لأجاب: ليس لي هدفٌ من كرمي، فالكرم طبعي وفطرتي، وهدفي منه أن أُظهر ذاتي، لأن ذاتي كريمة والكرم مظهرٌ لهذه الذات.

تطبيق القاعدة على الله والخلق

وهذا هو حال الله تبارك وتعالى مع الإنسان؛ فالله ليس فاعلًا ناقصًا يحتاج إلى فعله أو إلى مخلوقه، بل هو فاعلٌ كاملٌ، عين الكمال ومحض الكمال. فلماذا خلق الخلق؟ لكي يكون الخلق مظهرًا لكماله. فغايته من الخلق ليست رفع حاجةٍ أو إكمال نقصٍ، بل غايته أن يُفيض كماله فيكون الخلق مظهرًا له.

فأنت أيها الإنسان مظهرٌ لكمال الله؛ خلقك الكمال لتصل إلى الكمال، لا يحتاج منك إلى شيء، وإنما خلقك تفضلًا منه لتبلغ أنت الكمال. فإذا وصلت إلى الكمال صرت مظهرًا لله وحاكيًا عنه عز وجل، كما ورد في الحديث الشريف عن الله جل جلاله:

«كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ»

فهذا شيءٌ غير ضروري، وإنما هو تفضلٌ وحبٌّ منه سبحانه، فخلق الخلق ليكون مظهرًا لكماله.

كيف يصل الإنسان إلى الكمال؟

إذن الهدف من خلق الإنسان أن يصل إلى الكمال، سواء كان كمالًا علميًّا، أو روحيًّا، أو سلوكيًّا، أو تقنيًّا؛ فكل من كان كاملًا في جهةٍ من هذه الجهات، فهو يحكي عن كمال ربه.

وهنا يتبادر سؤالٌ: كيف نجمع بين الآيتين الكريمتين؟

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

و﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]

فالجواب: الإنسان خُلق ليصل إلى الكمال، لكن العبادة طريقٌ إلى هذا الكمال وليست هي الهدف نفسه. فالهدف أن يصل الإنسان إلى الكمال الروحي، وذلك يحتاج إلى إرادةٍ حديديةٍ صامدة، والعبادة هي الطريق إلى ذلك. أما الكمال المادي والحضاري، فطريقه ما حددته الآية الأخرى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ فالمطلوب ليس أن تكون عاملًا فحسب، بل أن تكون حَسَنَ العمل، لأن العمل الأحسن هو الذي يوصلك إلى الكمال الحضاري.

المحور الثالث: كيف تكون مصداقًا لـ"أَحْسَنَ عَمَلًا"؟

الهدف من وجود الإنسان أن يكون "الأحسن"، فلماذا هذا الهدف بالذات؟ الآيات القرآنية الأخرى تحدد أن الهدف من وجود المجتمع البشري على الأرض هو خلافة الله:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]

وقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]

والخلافة في الأرض لا تعني العبادة فقط، ولا تعني الصلاة فقط، بل تعني إقامة حضارةٍ على الأرض، حضارةٍ تعتمد على الإيمان والارتباط بالله. وهذا هو مصداق "أحسن عملًا": فمن أقام حضارةً على الأرض مقترنةً بالإيمان بالله، فقد حقق خلافة الله في الأرض.

ومن هذا المنطلق، فإن الإنسان المغترب أو المبتعث الذي يعيش في بلاد الغرب، أمامه ثلاثة مجالات يُطلب منه فيها أن يكون "الأحسن":

المجال الأول: الأحسن في الثقافة والمعرفة

جئتم لهذه البلاد لتحصلوا على تخصصٍ علمي، فحاولوا أن يكون هذا التخصص الأنفع، بحيث يخدم مجتمعكم وحضارتكم الإسلامية والإيمانية. ولذلك:

  • اختر التخصص الأكثر نفعًا وعطاءً، بالاستشارة مع أهل الخبرة وأهل المعرفة ومن سبقك بالتجربة.
  • لا تكتفِ بدرجةٍ دراسيةٍ واحدة؛ حاول أن تترقى وتستمر في الدراسة، فكلما ارتقيت في تخصصك، كنت أحسن وأنفع وأجود.
  • اغتنم كل فرصة في هذه البلاد المليئة بآفاق العلم والمعرفة؛ حاول أن تحصل على شهادةٍ مهنيةٍ إضافيةٍ إلى شهادتك الأكاديمية، لتكون مصداقًا لـ"أحسن عملًا".

المجال الثاني: الأحسن في القيم والأخلاق

أنتم تعيشون في بلادٍ تكره الفكر الداعشي والفكر التكفيري، لأنه فكرٌ يسيء إلى الإنسانية والحضارة، ولذلك لا بد أن نُفرز العنصر المضيء من العنصر المظلم، ونُثبت أن الإسلام النقي هو بالأخلاق الفاضلة والقيم الفاضلة. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:

«إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا صَدَقَ فِي حَدِيثِهِ، وَوَرِعَ فِي دِينِهِ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسَّنَ خُلُقَهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هَذَا جَعْفَرِيٌّ، وَقِيلَ: هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ»

فالمطلوب أن تكون جعفريًّا، تُظهر بذلك العنصر المضيء من الإسلام وقيم أهل البيت عليهم السلام. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضًا:

«كُونُوا دُعَاةً لَنَا بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ»

أي: كونوا دعاةً صامتين، من خلال التزامكم بأربع خصال: الصدق في الحديث، وأداء الأمانة، والورع (بالبعد عن الشبهات، شبهات الأكل والعلاقات غير المشروعة والأموال)، وحسن الخلق، بأن تكون بسّامًا متواضعًا مبادرًا لقضاء حوائج الآخرين، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، مسيحيين أو يهودًا أو هندوسًا أو بوذيين، بأي دينٍ أو لونٍ أو قوميةٍ كانوا؛ فتعامل معهم معاملة الإنسانية.

وقد ورد في الحديث الشريف:

«لَوْ عَرَفَ النَّاسُ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَتَبِعُونَا»

ومعرفتهم بهذه المحاسن لا تكون بالكلام، بل بالعمل والسلوك والأخلاق.

المجال الثالث: الأحسن في الجانب الروحي

في زحمة هذه الحياة، تعيش حياةً ماديةً صرفة، تخرج صباحًا إلى الجامعة وترجع متأخرًا متعبًا مرهقًا، وتستمر على هذا شهورًا وسنين. وهذا الانصحار (في الدراسة والعمل) قد يُجفف روحك، ويحوّل علاقتك مع الله إلى علاقةٍ جافةٍ يابسةٍ لا طعم لها، فتجد نفسك بمرور الوقت لا ترغب في الدعاء ولا في النافلة ولا في قراءة القرآن، لأن قلبك أصبح جافًّا لا نبض فيه.

وحتى لا تصل إلى مرحلة الجفاف والقسوة، لا بد أن يكون لك برنامجٌ روحيٌّ، كما لك برنامجٌ دراسيٌّ وبرنامجٌ اجتماعيٌّ، تحافظ به على رطوبة الروح ونبض القلب. ويكون ذلك بتخصيص نصف ساعةٍ في كل يوم، وأفضل الأوقات لذلك بعد صلاة الفجر في وقتها، تُسبّح وتستغفر الله وتقرأ دعاءً وتقرأ قرآنًا؛ فهذه النصف ساعة كافيةٌ لتصنع في قلبك رصيدًا روحيًّا يحافظ على طعم العلاقة مع الله.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:

«إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ إِنْمَحَتْ، وَإِنْ عَادَ عَادَتْ حَتَّى تَغْلُبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحَ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]

فلا تصل إلى درجة الرَّيْن التي يتحول فيها قلبك إلى قطعةٍ من الظلام والقسوة والجفاف، بل تحتاج إلى رصيدٍ روحيٍّ يُشعرك بطعم العلاقة مع الله ويحببك فيه، عبر مقدارٍ من الخشوع والخضوع، كما قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢]


نسأل الله لنا ولكم أن نكون مصداقًا للعمل الأحسن، وأن نكون سائرين على خطى محمدٍ وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.