اهتمام الفكر الإمامي بالقرآن الكريم وعلاقة روايات أهل البيت به
اهتمام الفكر الإمامي بالقرآن الكريم وعلاقة روايات أهل البيت به
تمهيد
صلَّى اللهُ وسلَّم عليك يا رسولَ اللهِ وعلى أهلِ بيتِك المنتجَبِين، يا لَيتَنا كنّا معكم فنَفوزَ فوزًا عظيمًا.
قال الله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]
وقال تعالى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]
هناك من يطرح تهمةً أمام الفكر الإمامي مفادها أنّ الفكر الإمامي لا يهتم بالقرآن الكريم كاهتمامه بروايات أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، وأنّ جُلَّ اهتمام الإمامية ينصبّ على الروايات دون القرآن حفظًا وتفسيرًا وتدبّرًا. ولتسليط الضوء على هذا الاتهام، سنتحدث في ثلاثة محاور: اهتمام الفكر الإمامي بالقرآن الكريم، وعلاقة روايات أهل البيت بالقرآن، والتفسير والتأويل والتطبيق الصادر عن أهل البيت عليهم السلام بالنسبة لآيات القرآن.
المحور الأول: اهتمام الفكر الإمامي بالقرآن الكريم
لتوضيح مدى هذا الاهتمام نتعرّض لثلاثة مجالات: نزاهة القرآن لدى الإمامية عن التحريف، واهتمامهم بتفسيره، واهتمامهم بحفظه.
المجال الأول: نزاهة القرآن عن التحريف
قال السيد الخوئي قدس سره، وهو من أبرز علماء الإمامية في القرن العشرين، في كتابه البيان في تفسير القرآن (ص٢٠١):
"وجملة القول: إنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحقّقيهم، بل المتسالَم عليه بينهم، هو القول بعدم التحريف، كما صرَّح بذلك الشيخ الصدوق والمرتضى والطوسي والطبرسي والشيخ جعفر كاشف الغطاء."
ثم يقول:
"ومما ذكرناه تبيَّن للقارئ أنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعُف عقله، أو من لم يتأمّل في أطرافه حقّ التأمّل، أو من ألجأه إليه حبّ القول... وأما العاقل المنصف المتدبّر فلا يشكّ في بطلانه وخرافته."
فهذا أحد أعلام الإمامية يؤكد أنّ المتسالَم عليه بين الإمامية هو نزاهة القرآن من التحريف. وقد صدر عن المحدّث النوري كتاب بعنوان فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، انتصر فيه لمقالة التحريف، فردّ عليه العلماء، منهم السيد الخوئي وغيره، حتى إنّ الشيخ محمود المعرَّب الطهراني كتب كتابًا بعنوان كشف الارتياب عن تحريف الكتاب ردًّا عليه.
المجال الثاني: اهتمام الشيعة بتفسير القرآن
حين يُقال إنّ الشيعة لا يهتمّون بتفسير القرآن، فإنّ عدد التفاسير الشيعية الإمامية للقرآن، منذ زمن الإمام العسكري عليه السلام (الذي يُنسب إليه تفسير يحمل اسمه) إلى زماننا هذا -وآخر ما كُتب هو تفسير الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله منية الطالبين في تفسير الكتاب المبين في ثلاثين جزءًا- بلغ عددًا كبيرًا جدًا. ويذكر الشيخ عبد الرحيم العقيقي في كتابه طبقات مفسّري الشيعة أنّ ما كتبه الشيعة في تفسير القرآن ومعارفه يبلغ ألفَي تفسير، ويذكرهم بأسمائهم وأعدادهم ووفياتهم.
المجال الثالث: اهتمام الشيعة بالقرآن حفظًا وتلاوة
يذكر الدكتور نور الدين أبو لحية في كتابه المدارس القرآنية أنّ عدد المدارس القرآنية في مجتمع الشيعة يفوق أربعة آلاف مدرسة، وأنّ عدد حفظة القرآن من الصغار يتجاوز مليون شخص، وأنّ عدد المشاركين في المسابقات القرآنية التي تُعرض على شاشات التلفزيون والقنوات يفوق أربعة ملايين مشارك، وأنّ عدد المجلات القرآنية المتخصصة يفوق مئة مجلة.
المحور الثاني: علاقة روايات المعصومين بالقرآن الكريم
هناك مقالة معروفة مفادها أنّ الشيعة يطرحون القرآن لأجل الرواية، أي أنّ الرواية هي الهمّ الأول للشيعة الإمامية، فهم يأخذون بالرواية الواردة عن أئمتهم وإن خالفت القرآن الكريم. فهل هذا صحيح؟
نطرح هنا سؤالًا: هل الأصالة للقرآن العزيز الذي وصفه الله بقوله:
﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]
أم الأصالة للرواية الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام؟ لا إشكال أنّ كليهما مصدر للتشريع، هذا لا إشكال فيه؛ فالقرآن مصدر للتشريع، والرواية الصحيحة الواردة عن المعصومين أيضًا مصدر للتشريع، للدليل الدالّ على إمامة أهل البيت وعلمهم من لدنه، وأنهم عِدْل الكتاب، كما ورد في حديث الثقلين المتسالَم عليه عند الفريقين سنّة وشيعة:
"إني مخلِّفٌ فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي."
فهما مصدر للتشريع على حدٍّ سواء من هذه الجهة. ولكن حين نقرأ روايات أهل البيت، نجد أنّ أهل البيت ناظرون للقرآن، وليس القرآن ناظرًا لهم، إذ إنّ ما ورد عنهم كلّه في إطار القرآن، إمّا تفسيرًا له، أو تفصيلًا لعمومه، أو تقييدًا، أو توسعة.
توضيح بمثال من علم القانون
في علم القانون، يُقال إنّ المنهج التقنيني لأي قانون كان يتضمن ثلاث مراحل: الأهداف، ثم القواعد العامة، ثم التفاصيل. فمن يراجع القانون الفرنسي أو المصري أو العراقي القديم -وهي من أهم القوانين المحكمة- يجد أنّ كل كتاب في القانون يتحدث عن هذه المراحل الثلاث، وتكون التفاصيل دائمًا في إطار الأهداف والقواعد العامة، لا تخرج عنها.
هكذا الحال بين القرآن وروايات أهل البيت؛ فالقرآن الكريم تكفّل بالمرحلتين الأوليين، وروايات أهل البيت تكفّلت بالمرحلة الثالثة.
المرحلة الأولى: الأهداف
تكفّل القرآن بذكر أهداف التشريع، ومنها:
الهدف الأول: كرامة الإنسان، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]
الهدف الثاني: العدالة وتحقيق القسط، قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]
وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]
الهدف الثالث: محو الطبقية، وهو مواجهة واضحة من القرآن للنظام الاقتصادي الرأسمالي القائم في الغرب، قال تعالى:
﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]
فلا بدّ من توزيع الثروة بشكل لا تتكدّس فيه عند الأغنياء، فتبرز ظاهرة الطبقية.
من أهداف التشريع أيضًا: حفظ النظام الاجتماعي، كما في قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٥]
ومن هنا يقول فقهاؤنا، ومنهم السيد السيستاني مدّ ظله، بأنه يحرم مخالفة النظام؛ فإذا كنت تعيش في دولة يحرم عليك مخالفة أنظمتها، لأنّ هذه الأنظمة -أنظمة المرور والبلديات والصحة والتعليم- وُضعت لحفظ النظام الاجتماعي، لحفظ الأنفس والأموال والأعراض، فيحرم مخالفتها والإخلال بها.
المرحلة الثانية: القواعد العامة
تكفّل بها القرآن أيضًا، ومنها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]
وهذه قاعدة عامة: يجب الوفاء بالعقد أيًّا كان.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]
وقوله تعالى حكايةً عن المعترضين:
﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
فالربا محرّم بكل صوره وأنواعه. وقوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
وقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]
المرحلة الثالثة: التفاصيل
هنا يأتي دور الروايات؛ فالقرآن أسّس لمرحلتَي الأهداف والقواعد العامة، أما تفاصيل الصلاة والصيام والعقود والميراث والحدود والديات فتُؤخذ من الروايات الواردة عن الأئمة المعصومين، إلا أنّ هذه الروايات كلها في إطار الكتاب، أي في إطار أهدافه وقواعده العامة، فليست خارجة عن هذا الإطار، كي يُقال إنّ الإمامية يأخذون بالرواية ويطرحون الآية.
أقسام الروايات الدالة على أنّ أحاديث الأئمة في إطار القرآن
القسم الأول: ما دلّ على طرح الرواية المخالفة للكتاب
روى أيوب بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول:
"كل حديث مردود إلى الكتاب والسنة، وكل شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرف."
وروى يونس بن يعقوب عن هشام بن الحكم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
"لا تقبلوا علينا حديثًا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهدًا من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ المغيرة بن سعيد -لعنه الله- دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديثَ لم يُحدِّث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا."
وهذا إشارة إلى ظاهرة الدسّ التي حاربها الإمام الصادق، إذ كان المغيرة بن سعيد شيعيًا لكنه كان كذّابًا وضّاعًا، يدسّ الأحاديث في كتب أصحاب الإمام الباقر عليه السلام.
ومن الشواهد على هذا المبدأ: رواية ابن ربيع الشامي عن الصادق عليه السلام: "لا تخالطوا الأكراد فإنّ الأكراد حيٌّ من الجنّ كُشف عنهم الغطاء"، وهي رواية موجودة في كتب الحديث، لكنّ عالِمَين جليلين هما السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره والسيد السيستاني مدّ ظله طرحاها، مضافًا لضعف سندها عند البعض، لأنها مخالفة لروح الكتاب وأهدافه، إذ يقول تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]
ويقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]
القسم الثاني: ما دلّ على أنّ كل شيء موجود في الكتاب والسنة
روى حماد عن الصادق عليه السلام: "ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة." وروى سماعة عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام أنه سأله: "أكلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه؟" فقال عليه السلام: "بل كلّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه."
وهنا لا بدّ من فهم هذه الروايات فهمًا دقيقًا؛ فحين نقرأ كتاب الكافي أو وسائل الشيعة، نجد أنّ ثمانين بالمئة من الأحكام الشرعية الواردة عن المعصومين ليست موجودة صراحة لا في القرآن ولا في سنة النبي. فكيف يقول الإمام إنّ كلّ شيء موجود في كتاب الله وسنة نبيه؟
والجواب: أنّ الأحكام موجودة في الكتاب على نحو الرموز والإشارات والشفرات، لا يعرفها إلا المعصوم عليه السلام، وهذا هو معنى قوله تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]
فبالنسبة للرسول تبيان لكل شيء، أما بالنسبة للمسلمين فهو هدى ورحمة وبشرى. ومن الأمثلة على ذلك حديث: "خمسة لا يَؤُمّون الصلاة" (المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي)، وحديث: "لا ربا بين الوالد وولده"، وهذه أحكام ليس لها وجود واضح في نصّ القرآن.
القسم الثالث: ما ورد من التطبيقات من الأئمة واستدلالهم بالقرآن
الرواية الأولى: روى جعفر بن رزق الله أنّ نصرانيًا زنى بامرأة مسلمة في زمن المتوكل، فأراد المتوكل إقامة الحدّ عليه، فأسلم النصراني ظنًّا منه أنّ "الإسلام يجبّ ما قبله"، فاختلف الفقهاء في حكمه، فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي عليه السلام يسأله، فكتب الإمام: "يُضرب حتى يموت"، فأنكر يحيى بن أكثم وفقهاء سامرّاء ذلك وقالوا: "سله عن هذا فإنه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنة"، فكتب إليه الإمام الهادي:
﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤-٨٥]
فلما وصل الكتاب إلى المتوكل أمر فضُرب حتى مات.
الرواية الثانية: سأل المعتصم العباسي العلماء عن مكان قطع يد السارق، فقال بعضهم من المرفق استنادًا لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وقال آخرون من الكفّ استنادًا لآية التيمم. فكتب المعتصم إلى الإمام الجواد عليه السلام يستحلفه بالله أن يخبره، فقال عليه السلام: "قد أخطأوا السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، وتُترك الكفّ." فسأله المعتصم عن الدليل، فقال الإمام الجواد مستدلًا بقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]
فالمساجد جمع مسجد، وهو ما يُسجد عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "السجود على سبعة أعضاء: اليدين، والركبتين، والرجلين، والجبهة." فإذا قُطعت اليد من الكرسوع أو المرفق لم يبقَ له عضو يسجد عليه.
الرواية الثالثة: روى شهاب بن عبد ربه قال: شكوت إلى أبي عبد الله الصادق عليه السلام ما ألقى من الأوجاع والتُّخَم، فقال: "تغدَّ وتعشَّ ولا تأكل بينهما شيئًا، فإنّ فيه فساد البدن، أما سمعتَ قول الله عز وجل ﴿لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾؟" فاستدلّ الإمام بنظام رزق أهل الجنة على النظام الصحي الصحيح للإنسان.
المحور الثالث: التفسير والتأويل والتطبيق
الروايات الواردة عن أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين بالنسبة للقرآن الكريم على ثلاثة أصناف: تفسير، وتأويل، وتطبيق، وبينها فروق دقيقة.
أولًا: التفسير
التفسير هو بيان معنى الآية. وهناك نظرية للعلامة السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، مفادها أنّ تفسير القرآن يكون بالقرآن فقط، لا بالرواية، ولا بدّ أن تكون الرواية متوافقة ومتطابقة مع القرآن حتى تصلح لتكون مفسِّرة له. ويستدل على ذلك بقول الإمام علي في نهج البلاغ: "يشهد بعضه بعضًا وينطق بعضه ببعض"، وبقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، وباتفاق علماء الأصول على حجية ظواهر الكتاب، إذ ذُكر في الموسوعة الفقهية (ج٢، ص٤٨) أنّ هناك ثمانمائة آية في القرآن وردت في الأحكام الشرعية، غير آيات القصص والعقائد والمواعظ.
غير أنّ هذه النظرية عليها ملاحظات:
أولًا: القرآن نفسه صرّح بأنه يحتاج لتعليم وبيان، وليس كله واضحًا بذاته، قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الجمعة: ٢]
وقال:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]
فوظيفة الرسول بيان القرآن وتفسيره وتوضيح آياته. كذلك هناك آيات غامضة لا تُفهم إلا بالرجوع إلى الرواية، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]
ثانيًا: إنّ ما دلّ على حجية قول المعصوم مطلق يشمل كل ما يصدر عنه، ولو كان تفسيرًا للقرآن، كما في حديث الثقلين.
ومن الروايات في التفسير: روى سماعة أنّ أبا عبد الله الصادق عليه السلام قال في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾: "نزلت في أمة محمد خاصة، في كل قرن منهم إمام منّا شاهد عليهم، ومحمد شاهد علينا." وروى الفضيل أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فقال: "كل إمام هادٍ للقرن الذي هو فيه."
ثانيًا: التأويل
انطلاقًا من الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، يرى صاحب الميزان أنّ الواو في قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استئنافية، أي أنّ الله وحده يعلم التأويل، والراسخون في العلم يسلِّمون فقط ويقولون: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. لكنّ الصحيح أنّ الواو عاطفة وليست استئنافية، وأنّ "يقولون" جملة حالية لا خبرية، أي أنّ الراسخين في العلم يعلمون التأويل حال كونهم مسلِّمين لله ويقولون: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.
والدليل على ذلك رواية صحيحة عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن قوله: "ما من آية في القرآن إلا ولها ظهر وبطن... ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منها ما قد مضى ومنها ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس والقمر"، ثم استشهد الإمام بالآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وقال: "ونحن نعلمه"، وفي رواية أخرى: "نحن ولاة الأمر، ونحن الراسخون في العلم، ونحن حججه على خلقه."
ومثال على التأويل: روى الفضيل أنه قال لأبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: "أرأيت من أخرجها من ضلال إلى هدى، أيدخل في هذا؟" فقال عليه السلام: "ذلك تأويلها الأعظم." فظاهر الآية إنقاذ النفس من الهلاك، وباطنها إنقاذها من الضلال إلى الهدى.
ثالثًا: التطبيق
التطبيق هو أن يذكر الإمام مصداقًا من مصاديق العنوان الوارد في القرآن الكريم. ومن أمثلته:
روى المفضّل أنه سأل الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، فقال: "العصر هو عصر خروج القائم، إن الإنسان لفي خسر يعني أعداءنا، إلا الذين آمنوا يعني بآياتنا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق يعني بالإمامة." فـ"الحق" عنوان عام، لكن من أوضح مصاديقه الإمامة.
سورة الفجر وارتباطها بالإمام الحسين عليه السلام
روى الحسن بن محبوب بإسناده عن دارم بن قبيصة قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام:
"اقرأوا سورة ﴿وَالْفَجْرِ﴾ في فرائضكم ونوافلكم، فإنها سورة الحسين بن علي عليهما السلام، وارغبوا فيها رحمكم الله."
فسأله أحد الحاضرين: كيف صارت هذه السورة سورة الحسين وقد نزلت في عهد النبي والحسين كان طفلًا صغيرًا؟ فقال له الإمام: "ألا تسمع إلى قوله تعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧-٣٠]
إنه يعني الحسين بن علي عليهما السلام، فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية، وأصحابه هم الراضون عن الله يوم القيامة، وهو راضٍ عنهم."
فهذا من باب التطبيق؛ فـ"النفس المطمئنة" عنوان عام، ومن أوضح مصاديقها الإمام الحسين عليه السلام، لأنه يوم عاشوراء كان نفسًا مطمئنة راضية مرضية، يقول: "اللهم رضًا بقضائك وتسليمًا لأمرك"، وكان أصحابه مطمئنين كذلك، ومنهم مسلم بن عقيل سفير الحسين، الغريب الشهيد الذي جاء إلى الكوفة فبايعه أهلها ثم غدروا به.
ختام: قصة استشهاد مسلم بن عقيل
بقي مسلم بن عقيل وحيدًا غريبًا، بأبي هو وأمي، يتردد بين الطرقات حتى وصل إلى باب امرأة يقال لها طوعة، فطلب منها شربة ماء، فسقته، ثم سألته عن حاله فأخبرها أنه غريب في بلادهم، بايعه أهلها ثم غدروا به، وأنه مسلم بن عقيل ابن عمّ أمير المؤمنين علي عليه السلام. فآوته في دارها، لكن ولدها -وكان من أصحاب عمر بن سعد- لاحظ ترددها على الدار، فأخبر ابن زياد بمكانه.
فلم يُصبح الصباح إلا والجند يحيطون بالدار، فقام مسلم بأبي هو وأمي، وصلّى ركعتين، وتقلّد سيفه، وخرج إليهم مقاتلًا وهو يقول: "أقسمتُ لا أُقتل إلا حرًّا، وإن رأيت الموت شيئًا نُكرا." فقاتلهم حتى كثرت عليه الجراح والطعنات، فأُخذ أسيرًا إلى عبيد الله بن زياد، فلم يسلّم عليه، وقال: "والله ما هو لي بأمير، أميري الحسين." فأمر ابن زياد بضرب عنقه، فطلب مسلم أن يُمهل ليصلي ركعتين، فصلاهما، ثم توجّه نحو المدينة وقال: "السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا غريب كربلاء، إن القوم ظلموني ويريدون قتلي، فإذا وصل كلامي فلا تحضر إليهم." فما أتمّ رسالته حتى ضُرب بالسيف فقُطع رأسه.
ولما وصل خبره إلى الحسين عليه السلام، طلب طفلته الصغيرة حميدة، ووضعها في حجره، ومسح على رأسها، فقالت: "أبا عبد الله، ما لك تمسح على رأسي كما تمسح على رؤوس اليتامى، أصيب أبي بسوء؟" فقال: "يا بنيّتي أنا أبوك."
اللهم بحقّ سفير الحسين، بحقّ هذا الغريب المظلوم، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائجهم. اللهم كن لوليّك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليًّا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلًا وعينًا، حتى تُسكنه أرضك طوعًا، وتمتِّعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
والفاتحة إلى أرواح أمواتكم وأموات المؤمنين والمؤمنات.
