محرم الحرام٩ محرم ١٤٤٧ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

الهوية الدينية في العصر الرقمي: التحديات والحلول

الهوية الدينية في العصر الرقمي: التحديات والحلول

مقدمة

بدخول العصر الرقمي تغيّرت أنماط الحياة الثقافية، وأصبحت التكنولوجيا جزءًا من وعينا وجزءًا من أسرنا والأجيال الواعدة من أبنائنا. فأصبح التعامل مع السوشال ميديا والمنصات الرقمية والمحتويات الإلكترونية هو ما يشغل فراغ أبنائنا. ونتيجة هذا التواصل مع العالم الرقمي، هناك فئة من أبنائنا أصبحوا يعيشون موجة التشكيك في أسس الدين وأصوله، وهناك فئة أصابها النفور من الدين، وهناك فئة أصابتها الحيرة في التوفيق بين ما يتلقونه من أسرهم وما يتلقونه من السوشال ميديا بأساليب جاذبة.

وهذا جعل المؤسسة الدينية أمام تحديات خطيرة في التعامل مع الواقع الرقمي، خصوصًا أنَّ الأجيال ممن هم دون سن العشرين أصبحوا لا يتفاعلون مع الأجواء الدينية العامة كصلوات الجماعة والشعائر الحسينية، بل أصبحوا لا يتفاعلون مع أزمات الأمة وأحداثها الخطيرة، وكأنَّها ليست شيئًا مهمًّا بالنسبة إليهم.

وهذا ما يستدعي أن نسلّط الضوء على ثلاثة محاور: تأثير الهوية الدينية على الحياة الاجتماعية، وتأثير اللغة الرقمية على الثقافة العامة، وطرق تأسيس وعي ديني رصين بالنسبة للأجيال من أبنائنا.

المحور الأول: تأثير الهوية الدينية على الحياة الاجتماعية

نطرح هنا عدة أسئلة: هل هناك حاجة للانتماء؟ وما هو تعريف الانتماء الديني؟ وما هو تأثيره على الحياة الاجتماعية؟ وما هي عوامل تشكيل الهوية والانتماء الديني؟

الحاجة إلى الانتماء

طُرح جدول للحاجات الأساسية للإنسان بشكل تدريجي وبتسلسل هرمي، عُرف بـهرم ماسلو، أوصل الحاجات إلى خمسة مستويات أو أكثر:

  • المستوى الأول: الحاجات البيولوجية، كحاجة الإنسان للطعام والماء والتنفس والنوم والإخراج والتوازن والجنس.
  • المستوى الثاني: الحاجة إلى الشعور بالأمن؛ الأمن على الجسد من العنف أو الاضطراب، والأمن المادي بدخل ثابت أو وظيفة، والأمن الوقائي المتعلق بالصحة والمسكن.
  • المستوى الثالث: الحاجة إلى الانتماء؛ ينتمي الإنسان إلى صداقات وعلاقات أسرية وحبٍّ وعاطفة وجماعة معينة.
  • المستوى الرابع: الحاجة إلى التقدير، سواء التقدير الذاتي بالثقة بالنفس، أو التقدير الخارجي من المجتمع لجهود الفرد وإنتاجه وإبداعه.
  • المستوى الخامس: الحاجة إلى تحقيق الذات، أي السعي لتحقيق الطموحات والأهداف في الحياة.

إذن، هرم ماسلو يؤكد أن الحاجة إلى الانتماء حاجة أساسية لدى الإنسان. والدكتور محمود البستاني في كتابه "دروس في علم النفس الإسلامي" يذكر أن الحاجة إلى الانتماء ترجع إلى حاجتين أخريين: الحاجة إلى الأمن، والحاجة إلى العزة والفخر.

فالإنسان يحتاج إلى الانتماء إلى أسرة أو دولة أو مجتمع لأن ذلك يشبع حاجته إلى الأمن، كما أن حاجته إلى العزة والفخر تتحقق بالانتماء إلى قبيلة معينة أو دين معين أو مبدأ معين. لذلك نقول: الانتماء إلى الدين يغذي حاجة أساسية لدى الإنسان، لأنه يوفر له ثقته بذاته وبأصوله وبقيمه ومبادئه.

تعريف الهوية الدينية

الهوية الدينية هي بصمة اجتماعية معينة ترمز إلى دين معين؛ فالمسلمون في الغرب لهم بصمة الحجاب ترمز لدينهم، والمنارة في المسجد بصمة ترمز إلى دين معين، وشعائر الحسينية بصمة ترمز لمذهب معين.

ويعرّف بعض الباحثين الهوية الدينية بأنها "الإطار المرجعي المؤثر على سلوك الفرد أو الجماعة وفقًا لعقيدة معينة". وهنا يحضرنا التعبير القرآني الدقيق عن الهوية الدينية:

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]

فنحن لنا صبغة، أننا مسلمون مرتبطون بالسماء، مرتبطون بمبادئ محمد وآل محمد، وهذه السمة، هذه البصمة الاجتماعية، هي التي تجمعنا؛ وهي الهوية الدينية.

أثر الهوية الدينية على الحياة الاجتماعية

من يقارن بين مجتمع الشرق الأوسط وغيره يجد أن الهوية الدينية مؤثرة على اللغة والفن والأدب والتراث والقوانين والتعليم والتربية. حتى الملحد الذي يعيش في دولة مسلمة تتأثر لغته بمصطلحات المسلمين، ويتأثر أدبه وفنه بالمصطلحات الدارجة في القرآن والسنة.

فعلى سبيل المثال، طه حسين، ذلك الأديب المصري المعروف الذي كان يؤمن ببشرية القرآن، عندما نقرأ أدبه نجده مملوءًا بالمصطلحات القرآنية والنبوية والأمثلة من التراث الإسلامي. فالدين هوية تضع بصماتها على الحياة الاجتماعية، حتى بالنسبة لغير المتدين ما دام يعيش في هذه الأجواء.

عوامل تشكيل الهوية الدينية

هناك عدة عوامل تُسهم في تشكيل الهوية الدينية:

العامل الأول: الأسرة والمحيط. المحيط بما فيه الأسرة والأصدقاء والأجواء الاجتماعية عامل مؤثر في تشكيل الهوية الدينية، ولذلك ورد التأكيد على هذا العامل في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]

وفي الحديث الشريف: «بادروا أبناءكم بالحديث لا تسبقكم إليهم المرجئة». فالمحيط مؤثر على الهوية الدينية شئنا أم أبينا.

العامل الثاني: الإعلام. الإعلام الديني الذي استمر أربعة عشر قرنًا قطعًا مؤثر في تشكيل الهوية الدينية، ولذلك ورد عن الإمام أبي جعفر الثاني الجواد عليه السلام:

«مَن أصغى إلى ناطقٍ فقد عَبَدَه، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله فقد عَبَدَ الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عَبَدَ الشيطان»

العامل الثالث: المراكز الدينية، من مساجد وحوزات دينية. يقول القرآن الكريم:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]

والحوزات الدينية أيضًا عامل مؤثر في تشكيل الهوية الدينية، يقول تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]

المحور الثاني: تأثير اللغة الرقمية على الثقافة العامة

نطرح هنا ثلاثة أسئلة: ما هي اللغة الرقمية؟ وما هي ملامح تأثيرها على الثقافة العامة؟ وما هي الآثار السلبية المترتبة على هيمنتها؟

ما هي اللغة الرقمية؟

يقول القرآن الكريم:

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١-٤]

فالعنصر الجوهري الذي يميز الإنسان عن الحيوانات والملائكة والجن وأي مخلوق آخر هو القدرة البيانية، القدرة اللغوية التي تنحدر من منطقة "بروكا" في دماغ الإنسان، وهي قدرة عجيبة تميّز الإنسان عن غيره. فاللغة ليست فقط وسيلة تواصل، بل تكشف عن تجلّي تلك القدرة التي وهبها الله للإنسان، ألا وهي القدرة على البيان: القدرة على وضع الرموز، والتنظيم، وتشكيل المعاني.

منذ زمن آدم حوَّل الإنسان التجربة إلى رمز، ثم حوَّل الرمز إلى لغة؛ بدأ بالإشارة، ثم تطور إلى الصوت، ثم إلى الحرف والنطق، ثم إلى الكتابة، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥]

ولمّا وصل الإنسان إلى اللغة الطبيعية، انبثقت منها اللغة الرياضية؛ فالرياضيات لغة مجموعة رموز وأوامر، لغة صارمة دقيقة انبثقت من القدرة اللغوية الموجودة عند الإنسان. ومن اللغة الرياضية جاءت اللغة الرقمية، ولها ثلاث خصائص:

  1. النحو: وهي ترتيب رموز وإشارات لأوامر معينة.
  2. الدلالة: كل شفرة من اللغة الرقمية ترمز لدلالة معينة.
  3. البراغماتية: أن المضامين تُنفَّذ وتُطبَّق على ضوء سياق هذه الرموز والشفرات.

ومن اللغة الرقمية جاءت لغة البرمجة والبيانات، ومنها انفتح الإنسان على الذكاء الاصطناعي بشتى صوره.

ملامح تأثير اللغة الرقمية على الثقافة العامة

الملمح الأول: اختلاف أسلوب التواصل؛ فبعد أن كان الأرحام يزورون بعضهم، أصبح التواصل عبر الشاشة والزوم يغني عن الزيارة.

الملمح الثاني: سرعة التقاط المعلومة؛ فبعد أن كان الإنسان يبذل جهودًا مضنية للوصول إلى المعلومة، أصبحت تصل إليه بأسرع وقت.

الملمح الثالث: استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الشركات العملاقة العابرة للقارات والمواقع الاستخباراتية لدراسة المجتمعات وسلوك الأفراد وأفكارهم.

الملمح الرابع: انتشار الأفكار المتصارعة؛ فعند فتح السوشال ميديا تصل عشرات الأفكار المتصارعة والمتضادة والمتباينة في وقت واحد.

الآثار السلبية لهيمنة اللغة الرقمية

هناك عدة أخطار تترتب على هيمنة اللغة الرقمية بالنسبة للهوية الدينية:

أولًا: الانفتاح على الفكر المضاد للفكر الديني، إذ أصبح أبناؤنا منفتحين على أفكار مضادة للدين نتيجة هذا التواصل.

ثانيًا: انتشار النسوية والإلحاد والإباحية، إذ استغل دعاة الحرية المطلقة هذا العالم للوصول إلى أهدافهم.

ثالثًا: استغلال الدين من قبل أحزاب وتيارات معينة تستثمر جاذبيته وتأثيره من خلال هذه المنصات لجذب الناس إليها.

رابعًا: ظهور تفسيرات حديثة للقرآن والأحاديث بعنوان التجديد والتطوير، أفقدت الهوية الدينية ثوابتها وأصولها.

خامسًا: ضعف التواصل مع المؤسسات الدينية؛ فلماذا يسأل الشاب الشيخ ما دامت المعلومة الرقمية جاهزة وأسرع وصولًا؟

والخطر الأخير والأكبر: بروز دعاة فضائيين غير مؤهلين، يملأون الشاشة أمام أبنائنا والأجيال الواعدة، كل واحد منهم يبثّ ما في رأسه دون تأهيل علمي.

ولذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

«مَن دان الله بغير سماعٍ من صادق، ألزمه الله التِّيه إلى يوم القيامة»

وهناك رواية عن زيد الشحام عن الإمام الباقر عليه السلام، إذ سأله عن قوله تعالى ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]، فقال: «طعامه علمه الذي يأخذه ممن يأخذه». فطعام العقل أهم من طعام البطن، ولا بد أن نتحرّى في هذه المنصة عن مؤهلات المتحدث ومستواه الفقهي والديني.

سلبيات إضافية ناتجة عن غياب المؤسسة الدينية رقميًّا

  • غياب المؤسسة الدينية عن الفضاء الإلكتروني، رغم وجودها في المساجد والمراكز والحوزات.
  • عدم توفر الأساليب الجذابة لدى المساجد والمراكز الدينية بالنسبة للأجيال دون العشرين.
  • استغلال الدعاة غير المؤهلين لهذا الفراغ، وهم على قسمين: قسم متطرف يستغل العواطف الدينية لطرح فكر متطرف يصطدم مع الحوزة ومع ثوابت المذهب الإمامي، وقسم متساهل لا يبالي بالثوابت، فيعمل على تمييع الدين حتى تفقد الثوابت قيمتها وموقعها.
  • انتشار التدين الفردي بدلًا من التدين الجمعي، إذ أصبح كثير من المؤمنين يستغنون عن المسجد والمركز، ويكتفون بأداء العبادات بأنفسهم بالاعتماد على المعلومة الرقمية.

المحور الثالث: طرق نشر الوعي الديني الرصين

أمام هذه الأخطار، ما الذي يجب أن نصنعه كمسلمين وكإمامية وكمؤسسة دينية؟ هناك أربعة روافد نستند إليها: المؤسسة الدينية، والمراكز الدينية، والصديق، والأسرة.

الرافد الأول: المؤسسة الدينية

يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: «ما من حركة إلا ويحتاج فيها الإنسان إلى معرفة». فلا يمكن تأسيس أي مشروع دون دراسة الأهداف والآليات والمراحل.

والمؤسسة الدينية قائمة بمشاريع ضخمة في مجال التبليغ وكفالة الأيتام والبحث عن الفكر الديني والفتاوى الشرعية، وهذا يستحق الشكر، لكن ينقصنا التخطيط الإعلامي، رغم أننا نمتلك الأموال والطاقات والكوادر.

يقول تعالى:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]

فالقرآن ينادينا بضرورة الإعلام والدعوة إلى الخير، ويقول تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]

والقوة لا تعني القوة العسكرية فقط، فكم من مجتمع فرض نفسه بقوة اقتصادية أو بالقوة الإعلامية والمعرفية! لذلك نحتاج إلى عدة عناصر ضمن التخطيط الإعلامي:

العنصر الأول: تأسيس منصات رقمية بأساليب تقنية باهرة، فأوضاعنا في مآتمنا ومجالسنا ما زالت بأساليب بدائية. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أوصيكم بتقوى الله ونظم أموركم».

العنصر الثاني: توفير الفضلاء أصحاب العمق العلمي والدقة العلمية ليكونوا دعاة فضائيين، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]

العنصر الثالث: تحديث الأسلوب؛ فأسلوب ما قبل خمسين أو أربعين سنة لا يفيد اليوم، ونحتاج إلى اللغة المعاصرة والمصطلحات التي تدور في أذهان الناس. وهذا ليس تجديدًا في الدين، بل تجديد في اللغة والأسلوب، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «أُمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم».

العنصر الرابع: العطاء والعمل، من أفلام ومقالات وبرامج ومقاطع تتضمن الفكر الديني الرصين من عقائد وفتاوى ثابتة وقيم أخلاقية عالية، وفتح حوارات في المنتديات مع مختلف الفئات. ومن الأمثلة على ذلك تأسيس مآتم الأطفال، حيث يتولى الأطفال أنفسهم إلقاء المحاضرة واللطمية وتنظيم المكان، ليتعلموا المبادرة والانتماء منذ الصغر. وكذلك دعوة الناس للتبرعات لدعم المشاريع الدينية المتطورة، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]

الرافد الثاني: المراكز الدينية

المراكز الدينية الموجودة في مختلف دول العالم تقوم بمشاريع ضخمة ومهمات عظيمة، لكننا ما زلنا نحتاج إلى التطوير، وأهم قضية في ذلك هي التواصل الاجتماعي؛ فليس المطلوب أن يأتي الناس إلى المركز فقط، بل يجب أن يذهب المركز إلى الناس.

يقول رسول الله صلى الله عليه وآله:

«مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطُفِهم كَمَثَلِ الجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الأعضاءِ بالسَّهرِ والحمَّى»

ويقول تعالى:

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]

فيجب أن يسأل المركز عن الناس، ويزور بيوتهم، ويتفقد أوضاعهم، ويسهم في حل مشاكلهم؛ وهذا التواصل الاجتماعي يحقق لحمة اجتماعية حول المراكز والمساجد. وخصوصًا فئة الأطفال، ينبغي أن نستثمر وجودهم في المراكز بتوفير أجواء حسينية جاذبة، ليتعلموا الارتباط بالإمام الحسين عليه السلام ويسهموا بأنفسهم في تشييد شعائره.

الرافد الثالث: الصديق

الصديق رافد مهم ومؤثر على الهوية الدينية للإنسان، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «المرءُ على دينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم من يُخالل». فاختيار الصديق هو اختيار للدين، ويقول تعالى:

﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٨-٢٩]

الرافد الرابع: الأسرة

الأسرة اليوم تتخلى عن واجباتها تجاه أبنائها، وذلك يظهر في عدة أمور:

أولًا: ضعف الرقابة الأسرية على الأولاد. أصبح المهم عند الأبوين هو التفوق الدراسي والمظهر الأنيق، دون الاهتمام بالصلاة والالتزام الديني، مع أن الأبوين سيُحاسَبان يوم القيامة على انحراف الولد كما يُحاسَب هو، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّا لَنأمُرُ صبياننا بالصلاةِ إذا كانوا بني خمسِ سنين، فمُروا صبيانَكُم بالصلاةِ إذا كانوا بني سبعِ سنين... وإنّا لنأمرُ صبياننا بالصيامِ إذا كانوا بني سبعِ سنين... فمُروا صبيانَكُم بالصيامِ إذا كانوا بني تسعِ سنين». فالصلاة عمود الدين، وكثير من الشباب اليوم لا يصلي نتيجة غياب دور الأسرة في التحفيز والمراقبة.

ثانيًا: الإدمان الرقمي دون حدود ولا روادع، إذ أصبح الطفل منذ عمر السنتين لا يهدأ إلا بالجهاز أو الموبايل، مما أفقد الأسرة دورها وتأثيرها.

ثالثًا: تخلي الأسرة عن متابعة رفقاء الأبناء ومعرفة من يجالسون ومع من يتواصلون.

وقد ورد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام: «وأمَّا حقُّ ولدِك فأن تعلمَ أنّه منك ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه... واعلمْ أنَّك مثابٌ على إحسانِك إليه، ومعاقَبٌ على إساءتِك إليه». فترك الولد دون رقابة وتعليم على الصلاة والدين هو إساءة إليه.

نموذج تربوي: علي الأكبر عليه السلام

هكذا ربّى علي وفاطمة عليهما السلام أبناءهما الحسن والحسين وزينب؛ فعندما جاء الفقير والمسكين والأسير، كان الأطفال أنفسهم يتبرعون بأقراصهم، يتعلمون على الصدقة والمبادرة:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨-٩]

وهذه التربية العظيمة أثمرت في علي الأكبر بن الحسين عليه السلام، ذلك الإنسان العظيم الذي كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خَلقًا وخُلقًا وبلاغة ومنطقًا. وقد طبّق الحسين عليه السلام على علي الأكبر آية الاصطفاء، ولم يطبقها على أحدٍ من الأنصار، فقال عندما برز:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣-٣٤]

وكان علي الأكبر أول من برز، وأول من قُتل، وأول من استُشهد من بني هاشم يوم عاشوراء، إذ قدّمه أبوه الحسين على نفسه وعلى كل بني هاشم، تضحيةً بأغلى ما يملك.

ولما استأذنه في القتال، نظر إليه الحسين وبكى، ثم أذن له. ولما رجع من مبارزته الأولى ظمآن، دعا له بالصبر حتى يلقى جده رسول الله فيسقيه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا. ولما استُشهد، خرج الحسين إليه فوجده مقطَّعًا مخضبًا بدمائه، فانكبّ عليه مناديًا: «على الدنيا بعدك العفا».

اللهم بحق علي الأكبر الذي اجتمعنا لأجله، اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفّر عنّا سيّئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، واشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائجهم يا أرحم الراحمين، اللهم عجّل فرج وليّك وابن أوليائك واجعلنا من أنصاره وأعوانه.