العصمة: حقيقتها ودليلها وعلاقتها بالقدوة
العصمة: حقيقتها ودليلها من القرآن الكريم وعلاقتها بالقدوة
تمهيد
قال الله تبارك وتعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم: الإمامية تعتقد أن الإمام معصوم، فما هو دليل العصمة من القرآن الكريم؟ وإذا كان الإمام معصومًا، أفلا يصبح كالأداة المبرمجة على الطاعة، لا فضل له على غيره؟ للإجابة عن هذا السؤال، نتحدث في محاور ثلاثة: حقيقة العصمة، ودليل العصمة من القرآن الكريم، والعلاقة بين العصمة والقدوة.
المحور الأول: حقيقة العصمة
العصمة هي استقامة نفسية يمتنع معها الذنب والخطأ والغفلة، وهذه الاستقامة النفسية ترجع إلى عاملين: عامل فكري وعامل وراثي.
العامل الفكري: درجات العلم
يذكر القرآن الكريم أن العلم له ثلاث درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وهذه الدرجات يقررها علم الحكمة أيضًا.
نوضح الفرق بينها بالمثال:
- معرفة السبب عن طريق المسبب تسمى علم اليقين.
- معرفة الشيء عن طريق الحس تسمى عين اليقين.
- معرفة الشيء عن طريق الانصهار به تسمى حق اليقين.
فإذا رأى الإنسان دخانًا عرف أن وراءه نارًا، وهذا علم اليقين؛ فإذا وصل إلى النار ورآها بعينه ترقّى علمه إلى عين اليقين؛ وأما إذا انصهر بالنار ووضع يده فيها فأشعلت بدنه، ترقّى إلى حق اليقين.
وقد أشار القرآن إلى هذه الدرجات الثلاث، فقال:
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥-٧]
وقال في سورة الواقعة:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨٨-٩٦]
فإذا أصبح جزءًا من جهنم بعد خلاصه، وصل إلى حق اليقين بأن هذا مصيره وهذه داره.
إذن العلم له درجات، والمعصوم أعطاه الله العلم بالدرجة الثالثة، وهي درجة حق اليقين، بمعنى أن الأشياء تنكشف له على واقعها وحقيقتها. وهذا الانكشاف هو الذي يحقق له الاستقامة النفسية، فلا يعصي ولا يخطئ؛ لأنه وصل إلى درجة من العلم كشفت له الأشياء على واقعها، فامتنع من المعصية وتجنّب الرذيلة.
العامل الوراثي
هذا العامل مهم جدًا، وقد تحدثت عنه عالمة الأعصاب بيكسابي في جامعة كامبردج في مقال بعنوان "تأثير التغيرات فوق الجينية على سلوك الإنسان"، وهو علم جديد يبحث في المؤثرات على سلوك الإنسان، مثل وسائل التواصل والإعلام والذكاء الاصطناعي، ومن جملتها التغيرات فوق الجينية.
فكل كائن حي له شفرته الوراثية الفريدة المتمثلة بالجينات الموروثة من الأبوين، وهذه الجينات بمثابة الحروف التي تُشفّر المعلومات لدى كل كائن حي. وهذه الجينات لا تؤثر فقط على طول الإنسان ووزنه ولون عينيه، بل تؤثر على نسبة الذكاء، وعلى الصحة النفسية، وعلى ميل الإنسان إلى الاضطراب أو التوازن، وإلى الغضب أو الهدوء، وإلى التهور أو الانضباط، وإلى الطيبة أو الاحتيال، بل تؤثر حتى على طول العمر.
وتنقل دراسة عن أبناء سجناء الحرب الأهلية الأمريكية، أن نسبة الوفاة فيهم أكثر من غيرهم بنسبة ١١٪ إذا بلغوا منتصف الأربعينيات، وذلك بسبب ما ورثوه من قسوة عاشها آباؤهم في السجون.
ويذكر الدكتور أرمان في كتابه "الوراثة وتطور السلوك" (ص٤٣٩) أن الدراسات أثبتت تأثير الجينات الوراثية على الشخصية البشرية، والشخصية هي انتظام السلوك العاطفي والإدراكي والوظيفي.
ويقول الدكتور روبرت بلومن في كتابه "الوراثة السلوكية" إن الجينات الوراثية تؤثر حتى على كيفية اختيار الإنسان لأصدقائه، وكيفية استجابته لمدرسته وبيئته.
لهذا يقول القرآن الكريم على لسان نبي الله نوح عليه السلام:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦-٢٧]
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله: "اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس"، وورد عنه أيضًا: "إياكم وخضراء الدمن"، قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء في منبت السوء"، وورد عنه صلى الله عليه وآله: "من زوّج ابنته شارب خمر فقد قطع رحمها".
اجتماع العاملين في الإمام الحسين عليه السلام
إذا اجتمع في الإنسان العاملان معًا، تحققت العصمة على أتم وجه. والحسين بن علي عليه السلام اجتمع فيه العاملان: العامل الفكري، إذ أعطاه الله درجة حق اليقين التي ينكشف بها الواقع أمامه؛ والعامل الوراثي المحكم، الذي يقول عنه القرآن الكريم:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣-٣٤]
ولذلك نقرأ في زيارة الحسين عليه السلام: "أشهد أنك كنت نورًا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها".
العصمة لا تنافي الإرادة
هنا سؤال مهم: إذا كان المعصوم قد جاء من عامل وراثي وعامل فكري وصار معصومًا لا يعصي ولا يخطئ، أفلا يكون كالآلة المبرمجة، فأي فضل له على غيره؟ بينما القرآن الكريم يقرر أن فضل الإنسان وكرامته بقوة إرادته، وأن انتصاره على شهواته وغرائزه بقوة إرادته هو الميزان في فضله وكرامته. قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: ٣٩-٤٠]
وقال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]
وورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: "قيمة كل امرئ ما يحسنه". فإذا كانت قيمة الإنسان بقوة إرادته وانتصاره على الشهوات بإرادته، فالمعصوم إن لم يكن له إرادة، فأي فضل له؟
والجواب: العصمة لا تنافي الإرادة، ولا تسيطر عليها، ولا يفقد المعصوم اختياره أبدًا. فالنبي أو الإمام إذا نظرت إليه بما هو بشر، يمكن أن يعصي ويخطئ، وهذا ما يسمى الإمكان الذاتي، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]
أما إذا نظرت إليه بما هو نبي أو إمام، فهو محفوف بعاملين يقتضيان العصمة، وهذان العاملان لا يسلبانه إرادته. ودقّق في هذه العبارة: المعصوم يمتنع منه المعصية، لا أنه يمتنع عليه المعصية. فـ"يمتنع منه" يعني بإرادته واختياره، أما "يمتنع عليه" فيعني أنه مجبور، ونحن لا نقول بالجبر.
مثال العلم وعدم الجبر: الإنسان حتى لو بلغ درجة عين اليقين يمكن أن يخالف علمه، ولذلك يقول الفلاسفة: العلم ليس علة تامة للمعلوم. فلو قُدّم لك كأس عصير ووجدت فيه حشرة ضارة، فأنت لست مجبورًا على عدم شربه، لكنك مع ذلك لا تشربه بإرادتك واختيارك؛ وهذا يعني أنك معصوم عن شربه بفعل علمك. كذلك المعصوم يرى المعصية كما نرى نحن قذارة الأشياء الضارة، فيمتنع عنها بإرادته واختياره.
والعامل الوراثي كذلك لا يجبر الإنسان، فيقول علماء الوراثة السلوكية إن الجينات الوراثية ليست علة حتمية، وممكن أن يشذّ الإنسان عن مقتضى الوراثة. قال تعالى:
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]
فيمكن أن ينحدر الإنسان من خبثاء ويكون طيبًا، ويمكن العكس. لذلك يقول القرآن عن النبي صلى الله عليه وآله:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦]
فالعصمة إذن لا تتنافى مع الاختيار والإرادة، ويبقى للمعصوم قوة إرادته. ولذلك كان الرسول الأعظم وأمير المؤمنين والحسين عليهم السلام رمزًا لقوة الإرادة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: "لو وُضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت"، "والله لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف والمال مال الله". وقال الحسين بن علي عليه السلام: "والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرّ إقرار العبيد".
المحور الثاني: دليل العصمة من القرآن الكريم
الآية الأولى
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
الرجس هو الذنب، وكل ذنب رجس، فالله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا، أي أن أهل البيت منزّهون عن الذنب والعيب والنقص وكل ما يشين.
الآية الثانية
قال تبارك وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
نلاحظ في هذه الآية أن الله قرن طاعة أولي الأمر بطاعة الرسول، وأشركهما في عبارة واحدة على نحو الإطلاق من دون قيد. وهذا خلافًا لآية الوالدين التي قيّدت الطاعة، إذ قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]
فلو كان أولو الأمر غير معصومين، ممن يُترقّب منهم الخطأ أو الذنب، لقيّد الله الآية بمثل "ما لم يخطئوا"، بينما جاءت الآية مطلقة بأمر الطاعة، وهذا الإطلاق يدل على أن أولي الأمر ليسوا في معرض الخطأ أو المعصية.
وهذه الآية تشير إلى دليل عقلي يطرحه علماء الكلام، مفاده أن الإمامة تساوق الحجية، والحجية تساوق العصمة؛ فالإمام يعني الحجة، وقوله وفعله وسكوته وتقريره حجة في كل شؤونه. وإذا كان الإمام حجة مطلقًا في كل شؤونه، فلا بد أن يكون معصومًا، إذ لا يمكن أن يحتج الله على عباده بشخص يذنب أو يخطئ. ولذلك جعل الرسول صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين أهل البيت كالقرآن الكريم:
«إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»
فكما أن القرآن معصوم لأنه حجة مطلقًا، قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢]
فكذلك أهل البيت معصومون لأنهم حجة مطلقًا.
الآية الثالثة
قال تبارك وتعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
هذه الكلمة "لا ينال عهدي الظالمين" تدل على أن الإمامة لا بد فيها من العصمة، من خلال وجهين:
الوجه الأول: دلّت الآية على أن الإمامة منصب خطير، لأنها أُعطيت لإبراهيم بعد النبوة وبعد الرسالة، فكانت آخر المناصب. وبما أن الإمامة منصب خطير، فلا يليق بهذا المنصب الذي عبّر الله عنه بأنه "عهده" أن يتقلده غير معصوم. و"الظالمين" يعني كل من هو في معرض الظلم، وليس فقط ظلم الغير، بل حتى ظلم النفس، قال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]
فكل إنسان غير معصوم معرّض للظلم، والآية تقول إن الإمام لا يليق به أن يكون في معرض الظلم.
الوجه الثاني: إبراهيم عليه السلام حين قال لربه "ومن ذريتي"، كان نبيًا رسولاً، فهل يُحتمل أن يطلب من ربه الإمامة لذريته الظالمة؟ هذا غير محتمل، بل المحتمل أنه طلبها لغير الظالمين، أي للمؤمنين الصالحين من ذريته. ومع ذلك قال الله له: "لا ينال عهدي الظالمين"، وهذا يعني أن المراد بـ"الظالمين" ليس من ظلم بالفعل، بل كل إنسان في معرض الظلم، وهو كل إنسان غير معصوم. فدلّت الآية على اعتبار العصمة في الإمام.
المحور الثالث: العصمة والقدوة
حاجة الإنسان إلى القدوة
إنسانية الإنسان ليست بشكله ولا بنسبه ولا بعرقه ولا بمنطقته، بل بـالنفخ الروحي الإلهي، قال تعالى:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]
هذه النفخة الروحية يعبّر عنها علماء الأخلاق بـالبعد الملكوتي في الإنسان، مقابل البعد الملكي وهو الجسد من عالم المادة. قال تعالى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]
وقال:
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]
فالنفخة الروحية هي الفطرة السليمة المفعمة بالأخلاق، قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧-٨]
فالإنسان يولد بفطرة سليمة تحب الخير والجمال، قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]
دور القدوة في تنمية الفطرة
لكن كيف ننمّي هذه الفطرة ونصل بها إلى مرحلة السلوك والعمل؟ هنا تأتي الحاجة إلى القدوة. يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة: "فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته، ويثيروا لهم دفائن العقول". والرسول محمد صلى الله عليه وآله يقول: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وتتميم مكارم الأخلاق يكون بـالأسوة والقدوة.
ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "تخلّقوا بأخلاق الله"، وذلك عن طريق التأسي، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]
وقال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]
فلماذا خلق الله المعصوم، ولماذا أمرنا باتباعه؟ لأن المعصوم يشكّل القدوة والأسوة، وينقلنا عن طريق الاقتداء به من الفطرة السليمة إلى العمل والسلوك الصالح. وورد عن الإمام علي عليه السلام: "ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد".
ظاهرتان غير سليمتين في مجتمعاتنا
الظاهرة الأولى: ازدواجية الشخصية، حيث يكون الإنسان صاحب أخلاق وقيم في المسجد، لكنه في التجارة يلجأ إلى الغش والدس والاحتيال. وهذه الازدواجية هي مرض النفاق الذي ذمّه القرآن الكريم:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]
الظاهرة الثانية: التفريق في المعاملة بين المؤمن وغيره، بحيث يُستباح الغش والاختلاس من غير المؤمن. بينما يوصينا أهل البيت عليهم السلام بشخصية واضحة صريحة تتعامل مع الجميع بالأخلاق العالية. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن الرجل منكم إذا صدق في حديثه، وورع في دينه، وأدى الأمانة، وحسّن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري".
ويقول الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، واللطف بهم، والرفق بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".
وعن الإمام العسكري عليه السلام في التعامل مع أهل السنة: "صلّوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلّوا معهم في مساجدهم"، وهذا ما يُسمى خلق المداراة الذي أدّب أهل البيت عليهم السلام شيعتهم به.
أصحاب الإمام علي نموذجًا
برز أصحاب الإمام علي عليه السلام كنجوم في سماء التاريخ بآدابهم وأخلاقهم، كميثم التمار، وحُجر بن عدي، ورشيد الهجري، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وحبيب بن مظاهر الأسدي. وقد أثبت هؤلاء جدارتهم بأخلاقهم وقيمهم، ومن أروعها الفداء والتضحية والبذل في سبيل الدين والعقيدة والدفاع عن منصب الإمامة.
قصة حبيب بن مظاهر الأسدي
كان حبيب بن مظاهر قد خاض مع الإمام علي عليه السلام معركتي صفين والنهروان، وكان يتوقع الشهادة لأن الإمام عليًا قال له: "يا حبيب، سترزق الشهادة". ولما انتهت المعركتان ولم يُصب بالشهادة، جاء إلى الإمام أمير المؤمنين وقال: "يا أبا الحسن، وعدتني بالشهادة ولم أنلها"، فقال الإمام: "سترزق الشهادة بين يدي رجل، الشهادة بين يديه أفضل من الشهادة بين يديّ"، وهو الإمام الحسين عليه السلام، لأنه سيبقى وحيدًا غريبًا بأرض كربلاء لا ناصر له ولا معين.
ولما وصل الحسين عليه السلام إلى كربلاء، بعث في اليوم الخامس من محرم رسالة إلى حبيب بن مظاهر: "أما بعد، أيها الفقيه، إن أردت السعادة الأبدية والحياة السرمدية فبادر إلى نصرتنا، فإنّا محاصرون بكربلاء بلا ناصر ولا معين".
وكان حبيب جالسًا مع زوجته أم مظاهر، فأخبرته برؤيا رأتها في المنام لامرأة معصّبة الرأس، لابسة ثيابًا سوداء، جالسة وحولها نساء، فسلّمت عليها فردّت السلام، وقالت: هذه فاطمة الزهراء عليها السلام. فأبلغتها سلامها فقالت: "أبلغي حبيبًا عني السلام، وقولي له: تسلّم عليك فاطمة، وتقول لك: أما آن لك أن تخضب بشيبتك؟". فقال حبيب: "إن صدقت رؤياك يأتيني كتاب الحسين". وما هي إلا ساعات حتى جاءه كتاب الحسين عليه السلام، ففتحه وقرأه، ووضعه على عينيه وصدره، وقال: "لبيك يا حسين، لبيك يا أبا عبد الله".
فأمر عبده أن يخرج بفرسه خارج الكوفة وينتظره حتى لا يشعر القوم بخروجه. وأبطأ حبيب في المجيء، فسمع عبده يخاطب الفرس قائلاً: "أيها الفرس، لئن لم يأتِ سيدي حبيب، لأركبنّ ظهرك وأذهبنّ إلى نصرة الغريب أبي عبد الله". فتأثر حبيب بذلك، وحين وصل قال لعبده: "اذهب، أنت حر لوجه الله"، فرفض العبد وقال: "لا تطردني، أريد أن يختلط دمي بدماء الطيبين"، فأخذه معه إلى كربلاء.
استقبله الحسين عليه السلام وضمّه إلى صدره وقلّده رايته، وسلّم حبيب على العقيلة زينب عليها السلام طالبًا منها وصية، فقالت: "أوصيك بوصية أمي الزهراء: بنصرة الغريب أبي عبد الله". فقال: "سمعًا وطاعة".
ولما استعر القتال، تقدم حبيب نحو الميدان مبارزًا مجاهدًا، حتى سقط صريعًا على الثرى. فخرج الحسين عليه السلام ووقف على جسده، ونادى: "حبيبي، حبيب، برير، زهير، ما لي أناديكم فلا تجيبون؟ أحبّائي، لو غير الحمام أصابكم لأجبتم، لكن على الموت ما أجبتم".
اللهم بحق أنصار الحسين، بحق حبيب بن مظاهر الأسدي، اللهم بحقهم جميعًا اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.
