محرم الحرام٢ محرم ١٤٤٧ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

المذهب الإمامي بين الحزن والإبداع: قراءة في التراث الإسلامي

مذهب أهل البيت بين الحزن والإبداع: قراءة في التراث الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملا، وهو العزيز الغفور.

طرح الإشكالية

هناك تساؤل يطرحه عدد من الباحثين، وهو أن مذهب أهل البيت عليهم السلام اتسم بالحزن والأسى على طول تاريخه، وذلك من خلال ثلاثة مظاهر:

المظهر الأول: روايات أهل البيت التي تركّز على الحزن والأسى. فالإمام الرضا عليه السلام يقول:

«إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء»

والإمام الصادق عليه السلام يقول:

«شيعتنا منا، خُلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا»

والإمام زين العابدين عليه السلام بكى على أبيه عشرين سنة، وقيل أربعين سنة على اختلاف الروايات.

المظهر الثاني: الأدب الشيعي الإمامي، وهو أدب مقرون باللوعة والحزن منذ أيام الأئمة، منذ أن دخل ذو الرمّة على الإمام الصادق عليه السلام وأنشد قصيدته الشهيرة في رثاء الحسين عليه السلام، مرورًا بدعبل الخزاعي في تائيته المعروفة، وصولًا إلى السيد حيدر الحلي، والشيخ الأعشم، والشيخ حسن الدمستاني وشعره في الحزن الدائم على مصاب الحسين عليه السلام.

المظهر الثالث: لا يخلو شهر من أشهر السنة من مناسبة حزينة تخص أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

هذه المظاهر كلها صبغت مذهب أهل البيت بصبغة الحزن والأسى. ومن هنا يأتي التساؤل: أليس الحزن والأسى عائقًا أمام الإنتاج والإبداع؟ إذا كان الإنسان الشيعي مستغرقًا في الحزن طوال السنة حزنًا على أهل البيت، أليس هذا عائقًا أمام التفوق في مجالات الإبداع والإنتاج؟ لماذا يصطبغ المذهب الإمامي بهذه الصبغة التي قد تُعيق أبناءه؟

للإجابة عن هذا السؤال نبحث في ثلاثة محاور: الأول في تركيز التراث الإسلامي على التوازن بين المادة والروح، والثاني في استثمار الروح الإيجابية لحالة الحزن، والثالث في عوامل اتسام مذهب أهل البيت عليهم السلام بسمة الحزن والأسى.

المحور الأول: التراث الإسلامي والتوازن بين المادة والروح

هل التركيز على الحزن خاص بالتشيع؟

إذا قرأنا التراث الإسلامي من القرآن والسنة، نجد أن التراث الإسلامي كله يركّز على سمة الحزن والأسى، وليس مذهب التشيع فقط. فمن القرآن الكريم:

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]

﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]

﴿وَإِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَٰنُ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]

﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]

ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب»، ويقول أيضًا: «الحزن شعار المؤمنين». ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «أكثروا ذِكر هادم اللذات ومفرّق الجماعات».

إذن التراث الإسلامي نفسه تراث يحثّ نحو الحزن. فهل يعني هذا أن الحزن قيمة من قيم التراث الإسلامي؟

هل يشجع الإسلام على الإنتاج أم على الحزن؟

ينقلنا هذا إلى سؤال أعمق: هل الإسلام أساسًا يشجع على الإنتاج أم يشجع على الحزن؟ لنفترض مؤمنين: مؤمن منتج مشغول بإنتاجه فرح به، يعطي العبادة قسمًا قليلًا من يومه، ومؤمن زاهد متفرغ للعبادة حزين على ذنوبه كئيب على أعماله. أيّهما أفضل في نظر التراث الإسلامي؟

نحن أمام فئتين من النصوص: فئة تذمّ الدنيا، وفئة تمدحها.

فئة الذم، منها:

﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠]

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة»، وفي مناجاته: «إليك يا دنيا غرّي غيري، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير».

والدنيا هنا لا تعني المال فحسب، بل تشمل الشهرة والمنصب واللقب والثروة بكل صورها.

وفئة المدح، منها:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]

ويقول الإمام الصادق عليه السلام: «نِعْمَ العون على تقوى الله الغِنى»، ويقول أيضًا: «الدنيا عون على الآخرة». وجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، إنا نطلب الدنيا ونحبّ أن نُؤتاها. فقال له الإمام: "وإذا أُتيتَها ماذا تصنع بها؟" قال: أكفّ بها نفسي وعيالي، وأتصدّق، وأصل بها، وأحجّ وأعتمر. فقال الإمام: «هذا ليس بطلب الدنيا، هذا طلب الآخرة». ويقول عليه السلام: «أجر الغني الشاكر كأجر الفقير الصابر». وقال أمير المؤمنين عليه السلام في مدح الدنيا: «الدنيا مسجد أحباء الله، ومهبط ملائكة الله، ومتجر أولياء الله».

التوفيق بين النصوص: النظرة الموضوعية والنظرة الطريقية

كيف نجمع بين الفئتين؟ الجواب يكمن في التفريق بين النظرة الموضوعية والنظرة الطريقية.

فالنظرة الموضوعية تعني أن تكون الدنيا هدفًا بذاتها: المنصب هدف، الشهرة هدف، الثروة هدف. وعندما تكون الدنيا هدفًا للإنسان، فإنها ستسيطر على فكره وأوقاته ومشاعره وميوله، وحين تسيطر عليه بدل أن يسيطر عليها، سيفقد مبادئه تدريجيًا: مبدأ الإيمان، ومبدأ الإحسان، ومبدأ العطاء، ومبدأ الإنصاف، ومبدأ الإحساس بكرامة الآخرين، لأنه أصبح مشغولًا بجيبه فحسب. هذه هي النظرة المذمومة في النصوص.

أما النظرة الطريقية فتعني أن الدنيا وسيلة لا هدف: الثروة وسيلة، المنصب واللقب وسيلة، لا هدف. وسيلة لتنمية الطاقات البشرية، ووسيلة لفتح المشاريع النافعة للمجتمع. وحين تمتلك ثروة، عليك أن تكون مصداقًا للآية المباركة:

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]

وليس المقصود بها الحديث اللفظي، بل الحديث السلوكي؛ أي إظهار النعمة من خلال المشاريع الخيرية والتعليمية والصحية التي تسهم في نهضة مجتمعك الإيماني.

النتيجة: الحزن الإيجابي لا السلبي

إذن، هل يشجع الإسلام على الإنتاج أم على الكآبة؟ الإسلام يشجع على الإنتاج، لكن الإنتاج وسيلة للارتقاء بالمجتمع، لا هدفًا يعيش الإنسان من أجله وجودًا مضخّمًا في ثروته وألقابه وشهرته، بل تكون هذه الأمور طريقًا للارتقاء بمجتمعه الإيماني.

من هنا نصل إلى النتيجة: الإسلام يحث على الحزن، لكنه الحزن الإيجابي لا الحزن السلبي. فالحزن الإيجابي هو الذي يعيدك إلى تقويم ذاتك، وبرمجة حياتك، ومحاسبة خطواتك. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

«حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوها قبل أن تُوزَنوا»

فالإسلام يحثّ على الحزن حين يكون وسيلة للتغيير والتكامل نحو الأفضل، أما حين يكون الحزن مطلوبًا لذاته، كآبةً تسيطر على الهموم والمشاعر، فهذا حزن مذموم في نظر التراث الإسلامي.

المحور الثاني: استثمار الروح الإيجابية لحالة الحزن

نطرح هنا سؤالًا: روايات أهل البيت تدعونا إلى الحزن والأسى والجزع على الحسين وآل الحسين عليهم السلام، فهل هذا الحزن عائق أمام الإنتاج والإبداع، حتى يُقال إن المذهب الإمامي متخلف لأن أبناءه مستغرقون طوال السنة في البكاء واللطم والمآتم؟

للإجابة نرجع إلى علم النفس وعلم الإدارة.

شهادة علم النفس

قد يُقال إن ضباب الحزن يؤثر على التركيز وصنع القرار وعمل الذاكرة نتيجة الاستغراق العاطفي، فيكون الحزن عائقًا أمام الإبداع. لكن علم النفس لا يقول هذا مطلقًا؛ بل قد يكون الحزن ملهمًا للابتكار، وطريقًا لتحفيز الإنسان نحو العطاء والإبداع.

فالمدرسة التحليلية في علم النفس ترى أن العائق الحقيقي أمام الإنتاج هو أحد أمرين: التشاؤم، وعدم التوازن بين المشاعر الوجدانية. فالتشاؤم يُعرِض الإنسان عن الإنتاج، أما التفاؤل بالخير - سواء أكان الإنسان حزينًا أم فرحًا - فهو الذي يقود نحو الإنتاج. والعامل الثاني هو التوازن بين المشاعر الوجدانية (فرح، غضب، حزن، رضا، خوف، رجاء)؛ فالتوازن يقود إلى الإنتاج، والاضطراب يقود نحو الخيبة والفشل.

وهنا أذكر تقريرين، أحدهما من علم النفس والآخر من علم الإدارة:

التقرير الأول: دراسة للباحثة "مودوبي أكينولا" من جامعة هارفارد، نُشرت في مجلة الهوية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، المجلد الرابع والثلاثين، العدد الثاني عشر، ديسمبر ٢٠٠٨. قارنت هذه الدراسة بين فئتين قدّمتا عرضًا فنيًا أو علميًا؛ فئة (ب) قوبلت بالمدح والقبول الاجتماعي، وفئة (أ) قوبلت بالرفض والعبارات المسيئة، من باب مجاراة الواقع - إذ إن الإنسان في حياته معرّض للرفض والخسارة والانتكاسة في التجارة أو الدراسة أو الحياة الزوجية أو فقدان عزيز.

وكانت النتيجة أن الفئة التي قوبلت بالرفض الاجتماعي كانت أكثر إبداعًا وإنتاجًا من الفئة التي قوبلت بالإطراء، خصوصًا لدى من كانوا يعيشون منخفضات في مستوى هرمون معين. وخلصت الباحثة إلى أن الإبداع ليس دائمًا مدارُه الفرح والبهجة، بل قد ينشأ عن ردة فعل إزاء حزن أو رفض أو مواجهة سلبية قاسية، وقد تكون هذه المواجهة محفزًا نحو الإبداع والإنتاج.

التقرير الثاني: من علم الإدارة، لكاتبة إنجليزية لها مقال بعنوان "القيادة بعد الفقد: الحزن طريق للإبداع". تقول إن كل واحد منا يشكّل قيادة في محله - قائد شركة، قائد دولة، قائد أسرة، قائد فريق - وأن القائد حين يتعرض لخسارة وحزن وانهيار عاطفي، يمكن أن يكون ذلك طريقًا للإبداع عبر أربع خطوات:

الخطوة الأولى: الإقرار بالحزن. أي أن تُعطي نفسك وقتًا لتُفرّغ شحنة الحزن والأسى، فلا تحبس بكاءك ولا حزنك، لأن إفراغ النفس مما في داخلها يمهّدها لمرحلة أفضل.

الخطوة الثانية: مواجهة الحزن مع الرعاية الاستراتيجية، أي تلقين النفس ضرورة الموازنة بين الألم والأمل، بما يحافظ على التفكير الاستراتيجي المنظّم.

الخطوة الثالثة: الفضاء الانتقالي نحو الأفكار المثيرة، أي أن تكون مرِنًا في الاستماع للآخرين، حتى لو كان كلامهم نقدًا أو تقويمًا أو محاسبة لاذعة، فالقائد الناجح هو من يستمع إلى النقد برحابة صدر ليتقدم نحو الأفضل.

الخطوة الرابعة: التعافي والتجديد، بمعنى أن يدرس القائد الناجح أي تجربة جديدة قبل خوضها، تمامًا كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

«يا أبا ذر، إذا هممتَ بأمر فتدبّر عاقبته، فإن يكُ خيرًا فأمْضِ، وإن يكُ شرًّا فانتَهِ»

النتيجة: الحزن محفز لا عائق

إذن، الحزن ليس عائقًا أمام الإنتاج، بل قد يكون محفزًا نحو الإبداع والإنتاج. ولذلك نجد أن علماء الإمامية من أكثر العلماء إبداعًا وإنتاجًا عبر التاريخ. ويمكن الرجوع في ذلك إلى كتاب "دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية" للشيخ جعفر السبحاني، وكتاب "الإسهامات الشيعية في الحضارة الإسلامية" للدكتور محمود إسماعيل، وكتاب "الدولة البويهية: نحتت صخرًا في الحضارة".

ومن الأسماء اللامعة في هذا المجال:

  • محمد بن الحكم، أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، المتوفى سنة ١٩٩هـ، أول من تحدث في الكيمياء، ووصل إلى نتيجة أخذها عنه إبراهيم بن سيّار النظّام، وهي أن الرائحة عبارة عن جزيئات متبخرة تتأثر بها الغدد الأنفية.
  • آل نوبخت، بيت شيعي عريق برز منهم علماء عظام، منهم يعقوب بن إسحاق بن نوبخت المتقدم في الحكمة والكلام وعلم النجوم.
  • أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، من أعلام الشيعة، المشهور في علم الرياضيات.
  • جابر بن حيان، من أشهر علماء الشيعة والمسلمين في الكيمياء، وأول من أشار إلى طبقات العين قبل يوحنا بن ماسويه المتوفى سنة ٢٤٣هـ.
  • نصير الدين الطوسي، الذي برع في الرياضيات والحكمة والكلام والفلسفة، وأقام مرصدًا في بغداد كان معهدًا للأبحاث لا مثيل له، وزوّده بالآلات الفلكية الفريدة، وجلب إليه أكثر من أربعمائة ألف مجلد.
  • الدولة البويهية، التي شجّعت العلم والمعرفة واستقطبت الشعراء والعلماء، فازدهرت الحضارة الإسلامية في عصرها بعلماء الفلك والرياضيات والحكمة والكيمياء، وجُلّهم وطليعتهم من علماء الإمامية.

إن كل هؤلاء اشتركوا في مآتم الحسين عليه السلام، واشتركوا في الحزن والجزع عليه، لكنهم مع ذلك أبدعوا وأنتجوا وقدّموا أفضل العطاء، كلٌّ ينصرف إلى اختصاصه: هذا في المآتم الحسينية، وهذا في المجال الخيري، وهذا في المجال الحوزوي، وهذا في المجال الأكاديمي، وكلهم يشتركون في الحزن ويتوزعون في حقولهم بما يشكّل النتاج الأفضل.

المحور الثالث: عوامل اتسام المذهب الإمامي بسمة الحزن

هناك عاملان أسهما في اتسام المذهب الإمامي بسمة الحزن: عامل خارجي وعامل داخلي.

العامل الخارجي

مذهب أهل البيت هو أكثر المذاهب الذي تعرض للحرب والاضطهاد والحرمان، بشهادة كل المؤرخين، وما تعرضت ذرية للقتل والاضطهاد كما تعرضت ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله. فكأن الأمة الإسلامية جازت نبيها بأن أبادت عترته وذريته من بعده، حتى ورد عن الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين:

«ما منّا إلا مقتول أو مسموم»

فقد حُورب أهل البيت حربًا ضروسًا من قبل السلطتين الأموية والعباسية، وأصبحوا بين مشرَّد وقتيل وذبيح وأسير في مختلف البقاع. إذن ليس مذهب أهل البيت هو الذي فرض الحزن، وإنما أعداء أهل البيت هم من فرضوه باضطهادهم لأتباع هذا المذهب. فسمة الحزن ليست من قوام هذا المذهب وأركانه، وإنما جاءت من عوامل خارجية فُرضت على أبنائه.

العامل الداخلي

أن الأئمة صلوات الله عليهم، بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام، أعدّوا شيعتهم إعدادًا عاطفيًا مدروسًا، عبر ثلاثة طرق:

الطريق الأول: الروايات الحاشدة التي حثت على البكاء والجزع، وجعلته عبادة وقربة إلى الله تبارك وتعالى. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام لفضيل:

«يا فضيل، أتجلسون وتتحدثون؟ قلت: بلى سيدي. قال: إني أحب تلك المجالس، فأحيوا أمرنا، فمن جلس مجلسًا يُحيا فيه أمرنا لم يمُت قلبه يوم تموت القلوب»

وورد عنه عليه السلام:

«من ذكر مصابنا وبكى لِما ارتُكب منا، كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذُكرنا عنده فسال من عينه مقدار جناح بعوضة أو ذبابة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»

وورد عنه أيضًا:

«كل البكاء والجزع مكروه ما خلا البكاء والجزع على الحسين عليه السلام، ففيه مأجور»

وقال عليه السلام: «رحم الله تلك الصرخة التي كانت من أجلنا، رحم الله تلك الخدود التي تعفّرت على حفرة أبي عبد الله، رحم الله تلك القلوب التي احترقت من أجلنا». فهذا الطريق أعدّ الشيعة إعدادًا عاطفيًا للانصهار الروحي العبادي مع فاجعة كربلاء ومصيبتها.

الطريق الثاني: المزج بين العَبرة والعِبرة، بين القلب والعقل. فالأئمة الطاهرون حين حثّوا على البكاء والدموع، أرادوا منا أيضًا أن نتفاعل مع مبادئ الحسين وقيمه، لا أن نكتفي بالبكاء دون التأثر بمبادئه: قيمة العزة التي ثار من أجلها الحسين حين قال:

«ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون»

وقيمة الكرامة التي ضحّى من أجلها حين قال:

«والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرّ إقرار العبيد»

وقيمة رفض الظلم والطغيان حين قال:

«ألا وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا»

فلا بد أن نعيش هذه المبادئ مع بكائنا ودموعنا، لنتفاعل مع قضية كربلاء؛ فكربلاء عبرة وعِبرة، جزع ومبادئ وقيم.

الطريق الثالث: المزج بين الألم والأمل. فالألم هو فاجعة الحسين ومصيبته العظمى، والأمل هو ظهور الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. فقد ربط الأئمة شيعتهم بظهوره، وعلّموهم أن القائد المخلص الحقيقي الذي سيختم مآسي العالم وآلامه هو المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وجاءت الروايات التي تؤكد أن خلاص المسلمين، بل المجتمع البشري، بظهوره.

فحزن الشيعة ليس حزن استسلام، وليس حزن خيبة، وليس حزن انكسار، بل هو حزن أمل، حزن يقظة، حزن نهوض، حزن استعداد واستقبال ليوم ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. فقد ورد أنه إذا خرج المهدي المنتظر رُفعت الراية مرفرفة، وقد كُتب عليها: "يا لثارات الحسين".

ختام

السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، والوتر الموتور، السلام عليك يا أبا عبد الله. اليوم يوم الجمعة، وهو يومك يا مولانا وإمامنا المهدي، ونحن نخاطبك في مثل هذا اليوم وأنت صاحب العزاء وصاحب المصيبة.

وقد بدأ الحسين عليه السلام مسيرته بالسلام على قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله، حين أراد الخروج من المدينة، فوقف على قبره وناداه: "يا جدّاه يا رسول الله، أنا الحسين فرخك وابن فرختك، إن القوم ظلموني ويريدون قتلي، عزّ عليّ فراقك يا رسول الله". فهومت عيناه، فرأى جده في المنام يقول له: "حبيبي يا حسين، إن لك درجة في الجنة لا تنالها إلا بالشهادة".

نسأل الله تعالى أن يعجّل فرج وليّه الحجة بن الحسن عليه السلام، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، والحمد لله رب العالمين.