المشروع الحسيني: فلسفته ومقارنته بالمشروع الحسني ومعطياته
المشروع الحسيني: فلسفته، ومقارنته بالمشروع الحسني، ومعطياته
مقدمة
صلَّى الله وسلَّم عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك المنتجبين، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا. أعوذ بالله من الشيطان الغويّ الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
انطلاقًا من هذه الآية المباركة، نتحدث حول المشروع الحسيني؛ ذلك المشروع الذي أقامه الإمام الحسين عليه السلام ابتداءً من خروجه من المدينة وحتى شهادته على أرض كربلاء. وسيكون الحديث عن هذا المشروع في محاور ثلاثة: فلسفة المشروع، ثم المقارنة بين المشروع الحسيني والمشروع الحسني، ثم معطيات حركة الحسين عليه السلام.
المحور الأول: فلسفة المشروع الحسيني
عند الحديث عن منطلقات وأهداف مشروع الإمام الحسين عليه السلام، نجد أمامنا عدة اتجاهات في تحليل هذا المشروع: الاتجاه التعبدي، والاتجاه الحركي، والاتجاه الاجتماعي، والاتجاه التضحوي، والاتجاه القرآني.
الاتجاه الأول: الاتجاه التعبدي
يقول هذا الاتجاه إنَّ حركة الإمام الحسين هي حركة إمام معصوم، وليس من حقنا أن نتساءل عن عللها أو أسبابها؛ فالإمام المعصوم هو مصدر التشريع، وهو مقياس الحق، بمعنى أنَّ الحق يُقاس به، لا أنه يُقاس بالحق. فنستطيع أن نقول: فعل غير المعصوم حقٌّ لأنه يطابق فعل المعصوم، ولا معنى لأن نقول: فعل المعصوم حقٌّ لأنه يطابق كذا وكذا. فعل المعصوم هو المقياس، وفعل المعصوم هو الحق. وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله:
«علِيٌّ مع الحقِّ، والحقُّ مع عليٍّ، يدور معه حيثما دار»
إذن، فعل المعصوم لا يُعلَّل ولا يُسأل عن أسبابه أو أهدافه؛ فهو مصدر التشريع ومصدر الحق، لا أنه يُعلَّل بالحق.
على هذا الاتجاه ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: إنَّ الإمام الحسين بنفسه علَّل حركته؛ فلم يطرحها طرحًا تعبديًّا محضًا، بل ذكر بنفسه مبررات وأسبابًا لمشروعه، فقال:
«ما خرجتُ أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح»
فما دام الإمام الحسين نفسه قد تصدَّى لبيان علة مشروعه وأهدافه، فإنَّ الباب ينفتح أمام السؤال عن علة المشروع وأسبابه.
الملاحظة الثانية: صحيح أنَّ حركة الإمام الحسين حركة تعبدية، لكن هذا لا يمنع أن نتساءل عن الحكمة من وراء الحركة، وأن نستجلي فلسفتها من خلال النصوص والروايات الواردة عن الإمام الحسين عليه السلام أو الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
الاتجاه الثاني: الاتجاه الحركي
يقول هذا الاتجاه إنَّ حركة الحسين ثورةٌ كان هدفها رفض بيعة يزيد بن معاوية. فحين استدعى الإمامَ الحسينَ أميرُ المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان، دخل عليه فنعى إليه معاوية، ثم أخبره أنه قد أُخذت البيعة لابنه يزيد، وأنَّ المطلوب منه أن يبايع. فقال الإمام الحسين عليه السلام:
«يا أمير، إنَّا أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومثلي ويزيد رجلٌ فاسق، شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله»
ومن هذه الرواية عُلم أنَّ من أهداف الحسين رفض بيعة يزيد بن معاوية.
وعلى هذا الاتجاه ملاحظة: إنَّ رفض بيعة يزيد أثرٌ من آثار المشروع، وهدفٌ من أهدافه، وإلا فالمنطلق الأساس للمشروع الحسيني أعمق من ذلك وأبعد منه. فلو افترضنا أنَّ يزيد بن معاوية قال: "لا أريد من الحسين أن يبايعني، دعوه حرًّا"، فهل كان الحسين سيسكت؟ لا؛ فالمشروع الحسيني أشمل وأوسع من مسألة رفض البيعة فقط.
الاتجاه الثالث: الاتجاه الاجتماعي
يعني هذا الاتجاه أنَّ الحسين خرج يطالب بالسلطة، وأنَّ ذلك من حقه؛ لأنَّ الإمام الحسن عليه السلام حين عقد الصلح مع معاوية، كُتبت وثيقة بين الطرفين نصَّت على أنَّ الخلافة تكون لمعاوية، فإذا مات تعود إلى الإمام الحسن، فإن حدث بالحسن حدثٌ، آلت الخلافة إلى أخيه الحسين. فانطلاقًا من هذا الاتفاق، طالب الحسين بالخلافة وقام بمشروعه.
وهذا الاتجاه أيضًا غير صحيح، للأسباب التالية:
أولًا: إنَّ الإمام الحسين لا يحتاج إلى ذلك الاتفاق أصلًا؛ فهو الإمام الشرعي الذي نصَّ عليه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بقوله:
«ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا»
فالحسين لا يحتاج إلى الاتفاق بينه وبين معاوية كي يطالب بتحقيق بنوده.
ثانيًا: إنَّ الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يطالب بالسلطة؛ لأنه كان يعلم بمقتله وشهادته، وكانت مسألة قتله حتمية لا مفرَّ منها، أبلغه بذلك جدُّه رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوه أمير المؤمنين علي عليه السلام. وقد صدح الحسين بشهادته قبل المعركة بشهور، فقال:
«والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلق من جوفي»
وقال:
«لقد رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: إنَّ لك لَدرجةً في الجنة لا تنالها إلا بالشهادة»
فلو بقي الإمام الحسين في المدينة ولم يتحرك، لكان سيُغتال على كل حال؛ فمسألة قتله كانت حتمية من قبل السلطة الأموية، تحرَّك أو لم يتحرك. وقد وقف على جبل الصفا حين أراد الخروج من مكة المكرمة إلى العراق، وقال:
«خُطَّ الموتُ على وَلَدِ آدمَ مَخَطَّ القِلادةِ على جِيدِ الفتاة، وما أُولَهُني إلى أسلافي اشتياقَ يعقوبَ إلى يوسف، وخِيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأني بأوصالي تُقَطِّعُها عُسلانُ الفلا، بين النواويسِ وكربلا، فيملأنَّ مني أكراشًا جوفًا وأجربةً سغبًا، لا مَحيصَ عن يومٍ خُطَّ بالقلم، رِضَى الله رضانا أهل البيت، نصبرُ على بلائه ويُوفِّينا أجرَ الصابرين»
فقد كان الحسين يعلم بشهادته ومقتله، ومن يعلم بذلك لا معنى لأن يخطط للوصول إلى السلطة وهو سيستشهد على كل حال. إذن، هذا الاتجاه أيضًا محلُّ نظر.
الاتجاه الرابع: الاتجاه التضحوي
يقول هذا الاتجاه إنَّ هدف الحركة الحسينية هو الشهادة نفسها؛ فالحسين خرج ليستشهد، وهدفه أن يكون شهيدًا، وكذلك من خرج معه كالعباس والأكبر عليهما السلام.
وهذا الاتجاه أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ الشهادة ليست هدفًا، بل هي وسيلة لهدف أكبر وأعظم، وطريقٌ ومعبرٌ إليه، لا غاية في ذاتها. نعم، كان الحسين يعلم أنه سيكون شهيدًا، وأنه سيحصل على وسام "سيد الشهداء"، وسيكون في قمة الجنان محفوفًا بالأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، لكن ذلك لم يكن هو الهدف نفسه.
الاتجاه الخامس: الاتجاه القرآني (الاتجاه الصحيح)
نصل الآن إلى الاتجاه الصحيح؛ فلسفة المشروع الحسيني وهدف الحركة الحسينية يتلخصان في الانطلاق من القرآن الكريم.
ومن المعلوم أنَّ مشروع الحسين ومشروع الإمام علي عليه السلام قد شوَّهه بنو أمية منذ ذلك الوقت، بل منذ زمن الإمام علي عليه السلام؛ إذ كانوا يشيعون أنَّ عليًّا يقاتل من أجل الكرسي والسلطة والبقاء في الحكم، مع أنَّ الإمام عليًّا قُتِل ولم يقاتل؛ أي إنَّ دولته هي التي اعتُدي عليها، لا أنه اعتدى على أحد. فقد تعرضت دولته المباركة، التي لم تستقر إلا أربع سنوات وأشهرًا، لثلاثة حروب طاحنة: حرب الجمل، وحرب صفين، وحرب النهروان، أكلت الآلاف من المسلمين لإسقاطها. وقد واجه الإمام عليٌّ هذه الدعايات المغرضة فقال:
«والله لولا حضورُ الحاضرِ وقيامُ الحُجَّةِ بوجودِ الناصرِ، وما أخذ اللهُ على العلماءِ ألّا يُقارُّوا على كِظَّةِ ظالمٍ ولا سَغَبِ مظلومٍ، لألقيتُ حبلها على غاربها، ولسقيتُ آخرَها بكأسِ أولها، ولألفَيتُم دنياكم عندي أهونَ من ورقةٍ في فمِ جرادةٍ تَقضَمُها، ما لِعليٍّ ونعيمٍ يفنى ولذةٍ لا تبقى»
وقال عليه السلام:
«والله لو أُعطيتُ الأقاليمَ السبعةَ بما تحت أفلاكها، على أن أعصيَ اللهَ في نملةٍ أسلبها جُلبَ شعيرةٍ، ما فعلت. والله لو كان المالُ لي لَساويتُ بينهم، وكيف والمالُ مالُ الله؟»
وكذلك الإمام الحسين، منذ أن تحرَّك جاءت الإشاعات الأموية تقول إنه خرج من أجل السلطة، وإنه يريد أن يشقَّ عصا الأمة ويفرِّقها. حتى إنَّ شريحًا القاضي - الذي كان قاضيًا في خلافة الإمام علي - تبع الاتجاه الأموي وأفتى بقتل الحسين وإهدار دمه، بحجة أنه خرج لشقِّ عصا المسلمين. فلما بلغت الأمور هذا المستوى، رأى الإمام الحسين أن يوضح أهدافه بجلاء، فقال:
«ما خرجتُ أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلبِ الإصلاح في أمة جدي»
وهذا يعني أنَّ منطلق الحسين هو القرآن الكريم؛ فقد خرج امتثالًا لأمره تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
فمن هذا المنطلق القرآني انبثقت حركة الإمام الحسين عليه السلام، وانبثق مشروعه، ألا وهو مشروع الإصلاح. إذن، الحسين حتى لو تُرك ولم يُطالَب بالبيعة، كان سيخرج على كل حال؛ انطلاقًا من نداء القرآن وتحقيقًا لأهدافه.
المحور الثاني: المقارنة بين المشروع الحسيني والمشروع الحسني
حين نقارن بين موقف الحسين وموقف الحسن عليهما السلام - وهما إمامان وأخوان لا يفرق بينهما في العمر إلا سنة أو أقل - نجد أنَّ الإمام الحسن كان إمامًا على الحسين حين كان موجودًا؛ حتى قال المؤرخون: "ما تكلَّم الحسين والحسنُ جالسٌ قطُّ". وهما إمامان كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: «ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا».
فلماذا اختلف موقف الحسن عن موقف الحسين عليهما السلام؟
لقد خرج الإمام الحسن بجيشه للقتال بعد مقتل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، حتى بلغ المدائن، والتقى بجيش معاوية، لكنَّ القتال لم يبدأ، وانتهت المواجهة باتفاقية الصلح بين الحسن ومعاوية، اشترط فيها الإمام الحسن اثني عشر شرطًا، منها ألّا يقترب معاوية من أصحاب الإمام علي، وأن يدفع له خراج دار أبجرد كل عام، وأن يعود الأمر إلى الحسين إن مات.
فلماذا أبرم الإمام الحسن هذا الصلح ولم يواصل القتال؟
الفرق الجوهري أنَّ الحسن كان رئيس دولة، بينما الحسين حين خرج لم تكن بيده رئاسة دولة. وهذا يعني أنَّ الإمام الحسن لو خاض المعركة إلى النهاية، لم يكن سيُقتل هو وبنو هاشم فحسب، بل كانت الخطة الأموية تقضي بـإبادة جماعية لكل من التحق بجيشه من شيعة أهل البيت، وهم بالآلاف، وكان الهدف هو القضاء على الكوفة بأكملها، لا مجرد إسقاط دولته. لذلك قال الإمام الحسن عليه السلام:
«إني خشيتُ أن يُجتثَّ المسلمون عن وجه الأرض، فأردتُ أن يكون للدين ناعٍ»
وقال في حديث آخر:
«إنَّ الأمر الذي اختلفتُ فيه أنا ومعاوية هو حقٌّ لي، تركتُه لإصلاح أمر الأمة، وحقنِ دمائها»
وقال في حديث ثالث:
«والله لو قاتلتُ معاويةَ لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سِلمًا، فلئن أُسالمَه وأنا عزيزٌ أحبُّ إليَّ من أن يقتلني وأنا أسيرٌ، أو يمنَّ عليَّ بالعفو، فتكون سُبَّةً على بني هاشم لا يزال يمنُّ بها معاويةُ وعقبه على الحيِّ منا والميت»
أما الإمام الحسين، فقد اختار الصفوة من أصحابه ممن هم على استعداد للتضحية، وأبان لهم قبل نزوله كربلاء أنَّ هذه المعركة لن تنتهي بنصر عسكري، بل بالشهادة فحسب، فقال:
«ألا فمن كان فينا باذلًا مهجته، موطِّنًا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحًا إن شاء الله»
ولذلك تفرَّق عنه أكثر من كان معه من الآلاف حين سمعوا بمقتل مسلم بن عقيل، حتى لم يبق معه يوم العاشر إلا مئة وعشرون رجلًا بمن فيهم بنو هاشم؛ لأنَّ الحسين خيَّرهم بين الشهادة والانصراف. فقد قابل الإمام الحسين الموتَ هو ونخبة من أصحابه، خاضوا معركتهم الاستشهادية وهم عالمون بنتيجتها وعارفون بنهايتها، وهذا ما ميَّز موقفه عن موقف أخيه الحسن صلوات الله وسلامه عليهما.
المحور الثالث: معطيات الحركة الحسينية
المعطى الأول: تحرير إرادة الأمة
كانت الأمة قبل مقتل الحسين مجمدة متخدرة نائمة، تحتاج إلى دمٍ يُبذل ليوقظها ويحرك إرادتها. فضحَّى الإمام الحسين بنفسه - وهو أغلى دم - لتحقيق ذلك؛ وفعلًا، انفجرت بعد مقتله الثوراتُ والحركاتُ وتوالت، فكانت حركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، وحركة المختار الثقفي، وحركة زيد بن علي، وحركة الحسين بن علي في معركة فخ، وتوالت الثورات امتدادًا لثورة كربلاء.
المعطى الثاني: إعادة عزة الدين
أعاد الإمام الحسين للدين نبضه ورونقه، وهذا ما ركَّز عليه يوم عاشوراء بقوله:
«ألا وإنَّ الدَّعيَّ ابنَ الدَّعيِّ قد رَكَزَ بين اثنتين: بين السَّلَّةِ والذِّلَّة، وهيهاتَ مِنّا الذِّلَّة، يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون، وحُجورٌ طابت، وحُجورٌ طهرت، وأنوفٌ حَمِيَّةٌ، ونفوسٌ أبِيَّةٌ، من أن نؤثرَ طاعةَ اللئامِ على مصارعِ الكرام»
مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]
المعطى الثالث: تربية الأمة على رفض الظلم والطغيان
قال عليه السلام يوم عاشوراء:
«أيها الناس، إنَّا قد سمعنا ممن سمع رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من رأى منكم سلطانًا جائرًا، مستحلًّا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، فلم يُغيِّر عليه بقولٍ ولا فعلٍ، كان حقًّا على الله أن يُدخله مدخله. ألا وإني لا أرى الموتَ إلا سعادةً، والحياةَ مع الظالمين إلا بَرَمًا»
فأقدم على مشروعه ليعلِّم الأمة هذه القيمة العظيمة: رفض الظلم والطغيان.
المعطى الرابع: التضحية والبذل من أجل الدين
علَّمنا الحسين أن نبذل أموالنا وأوقاتنا وجهودنا في سبيل الدين، إذ لا شيء أغلى منه، فقال عليه السلام:
«ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرة، مع قِلَّةِ العددِ وخِذلانِ الناصر، وأيمُ الله لا تلبثون بعدها إلا كَريثَ ما يُركَبُ الفرسُ، حتى تدورَ بكم دَورُ الرَّحى، وتَقلقَ بكم قلقَ المِحور، عهدًا عهدَه إليَّ أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله. فأَجمِعوا أمرَكم وشركاءَكم، ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمَّةً، ثم اقضوا إليَّ ولا تُنظِرون»
المعطى الخامس: الوصول بالأمة إلى مرتبة التسليم
يذكر علماء الأخلاق أنَّ مراتب الارتباط بالله ثلاث: التوكل، والرضا، والتسليم. فالتوكل هو تفويض الأمر لله لعلمنا بأنه سيفعل بنا ما هو خير لنا. والرضا هو أن يرضى الإنسان بالمصيبة، وهي مرتبة أصعب من الأولى. أما التسليم، فهو أعلى المراتب، ويعني أن يعتبر الإنسان نفسه ملكًا لله، وأنَّ الله يتصرف في ملكه كيف يشاء.
وقد وصل الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء إلى هذه المرتبة العليا، بل أبانها بقوله:
«اللهم رضًا بقضائك، وتسليمًا لأمرك، يا غياثَ المستغيثين»
وقال:
«هُوِّنَ ما نزل بي أنه بعينِ الله»
وقال عليه السلام في رجزه:
«أنا الحسينُ بنُ عليٍّ آليتُ أن لا أنثَنيَ
أحمي عيالاتِ أبي أمضي على دينِ النبي
فإن نُهزَمْ فهزَّامون قِدَمًا وإن نُغلَبْ فغيرُ مُغلَّبينا
وما إن طِبُّنا جُبنًا ولكن منايانا ودولةُ آخرين»
خاتمة
كأني بسيدتنا زينب عليها السلام وهي واقفة على جسد أخيها الحسين على أرض كربلاء، تنادي: "يا جداه، هذا حسينك بالعراء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، فإلى الله المشتكى".
هذه كانت افتتاحية، وستبدأ من غدٍ عشرة محرم الحرام، وستكون المحاضرات كلها منصبة على تعزيز الهوية الدينية وترسيخ الانتماء إلى مذهب أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق لإحياء أمر أهل البيت وشعائر الحسين عليه السلام. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، وتوفَّنا مع الأبرار، وارزقنا في الدنيا زيارة الحسين وخدمته، وفي الآخرة شفاعته. اللهم اجعلنا من أنصار إمامنا ومولانا الإمام المهدي، عجل الله فرجه الشريف، واجعلنا من المشمولين بدعائه وبركاته، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
