شهر صفر٦ صفر ١٤٤٨ هجريمدينة لندن، المملكة المتحدة

الروح الاجتماعية وظاهرة الفردانية

الروح الاجتماعية وظاهرة الفردانية

بين يدي الموضوع

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]

انطلاقًا من هذه الآية المباركة، يدور حديثنا في محورين: أصالة الروح الاجتماعية في الإنسان، وتسليط الضوء على ظاهرة الفردانية المعاكسة لها.

المحور الأول: منشأ التفاعل الاجتماعي

نظريات علم النفس الاجتماعي

ما هو منشأ التفاعل الاجتماعي؟ حين يدخل إنسان إلى مجلس ويتحدث مع غيره، فهذا تفاعل اجتماعي بين طرفين. يُعنى علم النفس الاجتماعي بدراسة هذه الظاهرة، وهو العلم الذي يدرس الأفكار والمشاعر والسلوكيات المتعلقة بالعلاقة بين فردين، كالزوج وزوجته، والصديق وصديقه، والأب وولده.

يذكر هذا العلم ثلاث نظريات لتفسير منشأ التفاعل الاجتماعي:

النظرية الأولى: نظرية بافلوف في الانعكاس الشرطي، وهي "الاستجابة للمحفز"؛ فلولا وجود محفز - كحاجة الإنسان لغيره، أو رغبته في اكتساب سمعة اجتماعية جيدة، أو تأثير الثقافة التي تربّى عليها - لما تحدث مع غيره.

النظرية الثانية: أن منشأ التفاعل الاجتماعي هو البنية الإدراكية؛ فالناس يختلفون، فمنهم المنقبض المنزوي، ومنهم المنفتح كثير الحديث والابتسام، ومنهم الوسط بينهما، ولكل شخص بنية إدراكية تحدد دوره الاجتماعي.

النظرية الثالثة: نظرية تعدد الأدوار؛ فكما يمثل الممثل على خشبة المسرح أدوارًا متعددة بوعي وانتظام وإتقان، كذلك الإنسان يمارس أدوارًا اجتماعية متعددة: مع صديقه دور، ومع أبيه دور آخر، ومع زوجته دور ثالث، ومع أستاذه دور رابع، وهذا من مقتضى الضرورة الاجتماعية.

الروح الاجتماعية: التفسير الأعمق

لكن حين نرجع إلى النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، نجد أن منشأ التفاعل الاجتماعي أعمق وأدق من هذه النظريات الثلاث؛ فهو الروح الاجتماعية التي خُلق معها الإنسان. فالإنسان وُلد ومعه نزعة اجتماعية تميزه عن الحجر والنبات والحيوان، وقد تختلف درجاتها وصورها، لكنها كلها ترجع إلى نزعة واحدة.

ولتوضيح هذه النزعة، نذكر أمرين: أركان الروح الاجتماعية، وتجليات الروح الاجتماعية.

أركان الروح الاجتماعية

الركن الأول: الفرق بين "الأنا الصغرى" و"الأنا الكبرى"

الأنا الصغرى هي وعي الذات، وقد عبّر عنها ديكارت بقوله: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، أي وعيك بأن لك فكرًا وعقلًا. أما الأنا الكبرى فهي "نحن": نحن فريق نعمل في هذا المجلس، نحن فريق نعمل في هذه الشركة، نحن إخوة من أسرة واحدة.

وبين الأنا الصغرى والأنا الكبرى قد يحصل صراع؛ فإذا طغت الأنا الصغرى على الأنا الكبرى، وُصف الإنسان بـالأنانية، فيعيش استغلال الناس واستخدامهم لأغراضه، ويعيش الطبقية والكبرياء عليهم. أما إذا طغت الأنا الكبرى، فالإنسان يعيش ضميرًا اجتماعيًا، لا يفكر في "أنا" بل في "نحن"، فيكون مظهرًا للتواضع وحب الناس والمبادرة إلى قضاء حوائجهم، مصداقًا لما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:

«أفاضلكم أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويُؤلَفون؛ المؤمن يألف ويُؤلَف»

أما من سيطرت عليه الأنا الصغرى، فقد وصفه القرآن الكريم بقوله:

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٣٧-٣٩]

ويقول تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: ٦-٧]

الركن الثاني: الروح الاجتماعية جوهر الإنسان لا مجرد بُعد من أبعاده

هناك فرق بين البعد الاجتماعي للإنسان واجتماعية الإنسان؛ فحين نقول إن للإنسان بعدًا اجتماعيًا، فهذا يعني أن له عدة أبعاد أحدها البعد الاجتماعي. أما حين نقول إن جوهره وحقيقته هي الروح الاجتماعية، فمعناه أن قوام إنسانية الإنسان بهذه الروح.

وحين نقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ فهذا واضح الدلالة على التزاوج، لكن هناك عملية أخرى في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، أي جعلناكم مجتمعات؛ مجتمع المدينة شعوب، ومجتمع القرية قبائل. والآية واضحة الدلالة على أن النزعة الاجتماعية أمر دخيل في قوام شخصية الإنسان، لا ينفك عنها.

الركن الثالث: الأُنس بالآخر

الإنسان في روحه الاجتماعية يعيش حالة من الأنس بالآخر؛ فلفظ "الإنسان" مشتق من "الأنس"، كما اشتق لفظ "الجان" من الاختفاء. ولذلك لا يمكن أن يعيش الإنسان متوحشًا؛ فحتى المنطوي المنقبض تجده يأنس مع آخرين، وحتى الطفل الذي يعيش ظاهرة التوحد تجده يأنس ببعض الأفراد دون بعض. فالإنسان لا ينفك عن الروح الاجتماعية لأنها دخيلة في جوهر إنسانيته.

تجليات الروح الاجتماعية

هناك خمسة تجليات للروح الاجتماعية في الإنسان:

التجلي الأول: الانتماء الاجتماعي

بطبعه يبحث الإنسان عن الانتماء؛ ينتمي لأسرة، لشركة، لوطن، لأن الانتماء يغذي فيه الحاجة إلى الأمن والحماية؛ فالأسرة توفر له الأمن النفسي، والشركة توفر له الأمن المادي.

التجلي الثاني: التوافق الاجتماعي

هو أن يتكيف الإنسان مع محيطه، وهذا التكيف يشبع عنده حاجة إبراز الموهبة؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يبرز مواهبه وملكاته إلا ضمن محيط يمنحه هذه الفرصة.

التجلي الثالث: الترابط الاجتماعي

وهو يعني الدعم وتغذية الشعور بالحب؛ فكل إنسان يحتاج حاجة جوهرية أن يُحب ويُحب. وقد أُجريت تجربة في بعض دور الحضانة في الولايات المتحدة، قُسّم فيها الأطفال الرضّع إلى فريقين: فريق مُنح الحب والحنان والرعاية، وفريق حُرم منها وعومل بقسوة. والنتيجة أن الفريق الأول أصبح ناشطًا موهوبًا ناجحًا، أما الفريق الثاني فقد فقد الأطفال فيه حياتهم، إذ لم يستطيعوا العيش دون الإحساس بالحب. فالحاجة إلى الحب مقوّم لإنسانية الإنسان لا يمكن الاستغناء عنه، خصوصًا عند وقوعه في مصيبة أو خسارة، إذ يحتاج حينها إلى الدعم الاجتماعي لئلا يصاب بالانهيار المفضي إلى الكآبة، وقد تقود الكآبة إلى الانتحار.

التجلي الرابع: التقدير الاجتماعي

كل من يقدّم جهدًا أو إبداعًا ينتظر من المجتمع تثمينًا له وتقديرًا لإنجازه، وإن لم يُعطَ هذا التقدير أصيب باليأس والإحباط وتراجع إنتاجه حتى يضمحل. ومن هنا نجد الشريعة الإسلامية تضع الأجور لمن يُنجز ويقدّم، كما قال تعالى:

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ [النجم: ٣٩-٤١]

ويقول تعالى في وصف جزاء الصابرين:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]

فالصبر انجاز عظيم فيه تحمّل للمعاناة والمتاعب.

التجلي الخامس: الاعتزاز الاجتماعي

اعتزاز الإنسان بحضارة بلده وتراثه يغذي حاجة إنسانية وهي حاجة التعبير عن الذات، كما قال تعالى:

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]

والمقصود بذلك أن يعتز الإنسان بالنعمة التي وهبه الله إياها شاكرًا منيبًا، لا أن يتباهى بأمواله وثرواته.

هذا هو المحور الأول: منشأ التفاعل الاجتماعي هو الروح الاجتماعية المتأصلة في إنسانية الإنسان.

المحور الثاني: ظاهرة الفردانية

تعريف الفردانية

ظاهرة الفردانية ظاهرة معاكسة للروح الاجتماعية. وقد عرّفها أحد الفلاسفة الألمان بأنها أن يهتم الإنسان بحقوقه أكثر من واجباته. ولمن يبتلى بهذه الظاهرة ثلاثة مظاهر:

  • المظهر الأول: لا يهتم إلا بنفسه، وربما بأسرته دون غيرهم.
  • المظهر الثاني: يستقل في قراراته، فلا يستشير أحدًا ولا يعتمد على أحد.
  • المظهر الثالث: يبحث عن الإنجازات وحده، ولا يريد المشاركة أو التعاون مع غيره.

منطلقات ظاهرة الفردانية

هناك منطلقان أساسيان لهذه الظاهرة:

المنطلق الأول: الحرية. حين يعيش الإنسان قيمة الحرية كما يغذيها الفكر الغربي بوصفها أعلى القيم الإنسانية، فإنه يرى نفسه مستقلًا في قراراته، لا يحتاج لاستشارة أحد، ويريد الإنجازات وحده.

المنطلق الثاني: الطموح. حين يريد الإنسان أن يصل إلى منصب أو مكانة اجتماعية، فقد يسلك أساليب ملتوية وغير قانونية للوصول إلى طموحه.

والدين لا يحارب الحرية ولا يحارب الطموح، لكنه يعتبر الحرية وسيلة لا قيمة؛ فالقيمة الأساسية للإنسان هي الكرامة:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]

فالحرية مجرد معبر لنيل الكرامة، وليست هدفًا في حد ذاتها. وأما الطموح، فالإسلام لا يقف أمامه، بل يدعو الإنسان إلى التوازن بين نزعتين: نزعة داخلية تهتم بالذات، ونزعة خارجية تهتم بالمحيط والغير؛ فبالتوازن بينهما يحقق الإنسان طموحه بالطرق القانونية المعتادة.

ولذلك اهتمت الشريعة، من خلال أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، بهذا التوازن. فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»

وورد أيضًا في رسالة الحقوق: «واعلم بأنك مسؤول حتى عن البقاع والبهائم»، أي أنك مسؤول عن البيئة.

نموذج معاصر: فتوى الحفاظ على البيئة

من الأمثلة الطريفة على ذلك، الفتوى التي صدرت عن السيد السيستاني (مد ظله) بتحريم إلقاء المياه المعالجة والملوّثة في الأنهار، وأن من فعل ذلك فهو ضامن، أي يتحمل في ذمته دينًا لإصلاح ما أفسده، يُؤخذ من تركته كسائر الديون عند وفاته. وقد ذكر بعض الباحثين أن هذه فتوى متطورة، وأن السيد السيستاني قد تناول موضوع الحفاظ على البيئة منذ عقود في أبحاثه الأصولية ضمن قاعدة "لا ضرر"، انطلاقًا من إدراكه أن الإضرار بالبيئة إضرار بالإنسان والحيوان والطير جميعًا.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام ما يبيّن كيفية تحقيق التوازن بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية:

«يا بني، اجعل نفسك ميزانًا بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها»

أسباب ظاهرة الفردانية

السبب الأول: الحداثة وما بعد الحداثة

جعلت الحداثة الإنسانَ محورًا للكون: راحته، جيبه، بطنه. وحين نادت بمحورية الإنسان، بدأت الروح الاجتماعية تتضاءل، وبدأت الأسر تتفكك، وصار الإنسان في الغرب يفارق أسرته في سن مبكرة.

أما ما بعد الحداثة، فيعبَّر عنها بـ"الثورة الاستهلاكية"، أي التركيز على سوق البورصة والعالم الرقمي والربح، وقد أفقدت هذه الثورة الإنسان الضمير الاجتماعي والإحساس بآلام الآخرين وهمومهم، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:

«من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم» أو «فليس بمسلم»

السبب الثاني: العالم الافتراضي

الانشغال بالعالم الافتراضي والشاشات أبعد الإنسان عن العالم الحقيقي، وله ثلاث سلبيات:

الأولى: العزلة. فقد خلق العالم الافتراضي عزلة حتى بين الزوج وزوجته، وبين الإخوة في الأسرة الواحدة، فكل واحد مشغول بعالمه الافتراضي عن الآخرين.

الثانية: الجفاف العاطفي. فقد يكون الزوج مشغولًا بالسوشال ميديا ومراسلاته، بينما تُترك الزوجة دون رعاية عاطفية، فتتفكك المودة التي أرادها الله بين الزوجين، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]

الثالثة: التسطيح المعرفي. فبعد أن كانت المعلومة تُقرأ وتُلخّص وتُدقق في الكتاب، أصبحت اليوم تنهال على الإنسان بالمئات في الدقيقة الواحدة دون وقت للتمييز أو التدقيق، فأصبحت المعلومات سطحية عابرة لا متانة فيها ولا أصالة.

نتائج انتشار ظاهرة الفردانية

النتيجة الأولى: الهروب من المسؤولية

كثير من الشباب اليوم يهرب من الزواج بحجة أنه مسؤولية وتكاليف، ويفضّل أن "يعيش حرًا" دون قيد، وهذا من آثار الفردانية التي تجعله لا يفكر إلا في راحته الشخصية.

النتيجة الثانية: التفكك الأسري

يشمل ذلك عدم الاهتمام بصلة الأرحام - الأخوال والأعمام والأجداد وغيرهم - رغم قوله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]

وقوله تعالى:

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]

وورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «صِل الرحم ولو بشربة ماء»، وورد عنه أيضًا: «صلة الرحم تزكي الأعمال، وتنمي الأموال، وتنسئ الآجال، وتعمّر الديار». فصلة الرحم لا تعني الاكتفاء بالتواصل عند المناسبات، بل تفقّد أحوالهم الدائم.

النتيجة الثالثة (الأخطر): عدم الاهتمام بالقضايا المبدئية

أصبح كثير من الناس لا يهتم بقضايا أمته ومجتمعه، وضاعت عنده البوصلة، وفقد الهوية الدينية، خلافًا لقوله تعالى:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]

وقوله تعالى:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]

وورد عن النبي صلى الله عليه وآله:

«لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهُنّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يُستجاب لهم»

الروح الاجتماعية عند أهل البيت عليهم السلام

عاش أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين الضمير الغيري والروح الاجتماعية في أجلى صورها؛ فهذا الإمام علي عليه السلام يبيت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ليفديه بنفسه، فلما سأله النبي: "أتبيت على فراشي؟" أجابه: "أوَ تسلم أنت يا رسول الله؟"، ثم سجد لله شكرًا حين علم بسلامة النبي، قائلًا: "الحمد لله الذي جعلني فداءً لرسوله".

ويوم صفين، أعطى الإمام علي الراية لابنه محمد بن الحنفية دون الحسن والحسين عليهما السلام، فلما اعترض بعض الصحابة، قال: "محمد ولدي، أقدّمه للقتل، وهذان ولدا رسول الله، أخاف عليهما"، فكان يحوطهما بنظره خوفًا على حياتهما.

وفي كربلاء، ذهب أبناء علي عليه السلام فداءً لبضعة رسول الله وريحانته الحسين عليه السلام. ولما دخل بشر بن حذلم المدينة المنورة برسالة من الإمام زين العابدين عليه السلام لينعى الحسين عليه السلام، خرجت نساء بني هاشم جميعًا تبكي، حتى التقت به أم البنين، فسألته عن جعفر وعثمان وعبد الله وأبي الفضل العباس - أبنائها الأربعة الذين استُشهدوا - فكان جوابه: "الخلف والبقاء في رأس الحسين"، فقالت: "ما سألتك عن أولادي، إنما سألتك عن حبيبي الحسين"، فلما أخبرها بمقتله، لطمت رأسها وبكت.

اللهم بحق أم البنين الأربعة وأولادها الشهداء، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار، واقضِ حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، واشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، وانصر المسلمين واحرسهم بعينك التي لا تنام، وعجّل فرج وليّك وابن أوليائك، واجعلنا من أنصاره وأعوانه.

والفاتحة إلى أرواح أمواتكم وأموات المؤمنين والمؤمنات.