أصول المذهب الإمامي: الإمامة والولاية في آيات القرآن الكريم
الإمامة بين الجعل الإلهي والولاية العامة: قراءة قرآنية
مقدمة: إشكالية أصول المذهب الإمامي
هناك تساؤل مطروح من قِبَل عدة من الباحثين، مفاده أن جميع المذاهب الإسلامية تؤمن بمعتقدات ثابتة في القرآن الكريم. فكل المذاهب الإسلامية تؤمن بـالتوحيد، وهو مستفاد من القرآن الكريم:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
وتؤمن بـالنبوة، وهي مستفادة من قوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]
وتؤمن بـالمعاد، وهو مستفاد من قوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥-١٦]
وتؤمن المذاهب الإسلامية أيضًا بأن الخلاف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله شورى بين المسلمين، لقوله تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]
لكن المذهب الإمامي يعتقد بأمور أكثر من ذلك؛ إذ يعتقد بأن الإمامة جَعْلٌ من الله، وأن الإمامة هي الولاية العامة، وأن للإمامة خصائص معينة كالعلم بأسرار التشريع، وهذا كله ليس موجودًا بصريح اللفظ في القرآن الكريم. فكيف نتعبّد بمذهب ليست قواعده - كقاعدة الإمامة وقاعدة الولاية وقاعدة الجَعْل الإلهي - نابعة من القرآن الكريم؟
في هذه المحاضرة نسلّط الضوء على ثلاثة مفاهيم محورية، نتناول كلًا منها من القرآن الكريم حصرًا:
- الإمامة جَعْلٌ وتعيينٌ من الله.
- الإمامة تعني الولاية العامة: الولاية التشريعية.
- الإمامة تعني الولاية العامة: الولاية التنفيذية.
المقام الأول: الإمامة جَعْلٌ إلهي
الآية الأولى: الاختيار الإلهي للخير
يقول تبارك وتعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]
يعني كل ما هو خير للأمة، فالذي يختاره هو الله وليس الأمة. فإذا كان الخير للأمة يختاره الله، فهل هناك خير للأمة أعظم من الإمامة وخلافة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله؟ لا شك أنها أعظم خير للأمة، إذن هذا الخير يختاره الله ويُعيّنه تبارك وتعالى.
أما قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، فلا علاقة له بالإمامة؛ فهذه الآية تتحدث عن أمر المسلمين، والإمامة ليست من أمر المسلمين، بل هي أمر لله، أمر ديني. نعم، أمور المسلمين الإدارية والتعليمية والصحية شورى بينهم، أما الإمامة فليست شأنًا اجتماعيًا أو إداريًا، فلا تدخل تحت هذه الآية، وإنما تدخل تحت قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.
الآية الثانية: قصة إبراهيم عليه السلام والإمامة
قال تبارك وتعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
نركّز في هذه الآية المباركة على نقطتين.
النقطة الأولى: معنى الإمامة
يذهب الفخر الرازي في تفسيره الكبير إلى أن الإمامة هنا هي النبوة، أي: "إني جاعلك للناس نبيًا". وهذا التفسير غير صحيح لوجهين:
الوجه الأول: إذا أكملنا الآية نجد قوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، أي أن لإبراهيم ذرية، ولو لم تكن له ذرية لما طلب الإمامة لذريته. والسؤال: هل كانت له ذرية حين أُوتي النبوة، أم حين بلغ مرتبة الإمامة؟ إبراهيم لم يكن له ذرية حين أُوتي النبوة، بل أُوتي الذرية في كبر سنه وشيخوخته، بل كان يائسًا منها قبل أن يُعطاها. يقول القرآن الكريم:
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥١-٥٥]
ولهذا يقول القرآن الكريم على لسان إبراهيم:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]
فوصلنا إلى النتيجة: إبراهيم عليه السلام عندما أُعطي الإمامة كان له ذرية، وحين كان له ذرية كان كبير السن. إذن الإمامة لم تُعطَ لإبراهيم إلا بعد كبر سنه. فلو كانت الإمامة هي النبوة كما يقول الفخر الرازي، لكان معناه أن إبراهيم لم يُعطَ النبوة إلا في كبر سنه، وهذا يتناقض مع القرآن الكريم الذي يقول:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤١-٤٣]
فعندما أُعطي النبوة كان أبوه - الذي رباه - لا يزال موجودًا، أي أنه أُعطي النبوة في شبابه. إذن إبراهيم أُعطي النبوة وهو شاب، وأُعطي الإمامة وهو كبير السن، وهذا دليل على أن الإمامة غير النبوة. فالإمامة التي أُعطيت لإبراهيم هي ولاية الأمر، أي كونه وليّ أمر المجتمع آنذاك.
الوجه الثاني: متى أُعطي إبراهيم الإمامة؟ بعد الابتلاء، كما في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أي نجح في الامتحان. وما هي الابتلاءات التي ابتُلي بها إبراهيم؟ محاجّته لقومه، تكسيره الأصنام، إلقاؤه في النار، أمر الله له بذبح ولده إسماعيل اختبارًا له. إذن إبراهيم ما أُعطي الإمامة إلا بعد الابتلاء، بينما كل هذه الابتلاءات حصلت له وهو نبي، فهذا يعني أن الإمامة أُعطيت لإبراهيم بعد النبوة.
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إن الله اتخذ إبراهيمَ عبدًا قبل أن يتخذه نبيًّا، وإن الله اتخذه نبيًّا قبل أن يتخذه رسولًا، وإن الله اتخذه رسولًا قبل أن يتخذه خليلًا، وإن الله اتخذه خليلًا قبل أن يتخذه إمامًا، فلما جمع له الأشياء كلها قال: إني جاعلك للناس إمامًا»
فمعنى الإمامة منصب أعلى من منصب النبوة، ولذلك لم يُعطَ لإبراهيم وهو نبي ورسول إلا بعد ابتلاءات وامتحانات، حتى تأهّل لهذا المنصب.
النقطة الثانية: معنى الجَعْل
قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾، ولم يقل "شاورًا" أو "اجتمع الناس واختاروك"، وإنما قال جاعلك، أي أن الإمامة جُعِلَت من قِبَل الله وعُيِّنَت منه. ولذلك لم يذكر القرآن الإمامة إلا مقرونة بالجعل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾.
هنا سؤال: قد يُقال إن القرآن يستخدم لفظ الجعل أيضًا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فما الفرق؟
الجواب: الجَعْل على قسمين: جَعْل تكويني، وجَعْل تشريعي، ويختلف الجعل باختلاف المجعول؛ فإن كان المجعول من الأمور الكونية فالجعل تكويني، وإن كان من الأمور الدينية فالجعل تشريعي. ومن الأمثلة القرآنية:
- ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] - جَعْلٌ تشريعي، لأن القبلة أمر ديني.
- ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] - جَعْلٌ تشريعي.
- ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠-١١] - جَعْلٌ تكويني، لأن المجعول أمر كوني.
والجعل في قوله ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ جَعْلٌ تشريعي، أما الجعل في قوله ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ فهو جَعْلٌ تكويني، مرتبط بسنة إلهية أخرى وهي سنة الإمهال والاستدراج، كما في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢-١٨٣]
فالله يعطي الظالمين نفوذًا وقوة، فيزدادون بذلك ظلمًا وطغيانًا، كما في قوله:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: ٦-٧]
وقوله:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]
فهؤلاء عندما تكون لهم القوة يزداد ظلمهم حتى يصبحوا دعاة إلى النار، وهذا جَعْلٌ استدراجي إملائي تكويني، بخلاف الجعل التشريعي في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، الذي يعني التعيين بأمر سماوي. فلا يصح أن يُورَد على معتقد الإمامية بآية تتضمن جعلًا تكوينيًا بينما الحديث عن الجعل التشريعي.
المقام الثاني: الولاية التشريعية
الإمامة تعني الولاية، والولاية قسمان: ولاية تشريعية، وولاية تنفيذية. فالإمام تجتمع فيه السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذا هو معنى الإمامة.
الولاية التشريعية تعني أن الإمام مصدر لإبراز التشريع الإسلامي وتطبيقه وتبويبه ونشره، وذلك لعلمه بأسرار التشريع. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إني مخلِّفٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»
ونستدل على أن أهل البيت يعلمون أسرار التشريع بثلاث آيات:
الآية الأولى: الراسخون في العلم
﴿وَأَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]
فـالراسخون في العلم يعلمون تأويل القرآن وأسراره. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في رواية عبد الرحمن بن كثير:
«نحن ولاة الأمر، ونحن خزنة علم الله، ونحن عيبة وحي الله»
وورد في رواية الفضيل عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية: «نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله».
الآية الثانية: كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٩]
كل شيء في هذا العالم كان موجودًا في عالم آخر قبل أن ينزل إلى هذا العالم، كما يقول تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]
وكذلك القرآن، كان مختزنًا في كتاب مكنون بمضامينه ومعانيه، ثم نزل على الرسول بألفاظ وحروف: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥].
وقوله ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ لا يعني اللمس الحسي، بل النيل، كما في قوله تعالى على لسان أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، أي نالني. فمعنى الآية: لا ينال حقيقةَ هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون.
ومن هم المطهرون؟ يُفسّر القرآن بعضه بعضًا، في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
ففي صحيح مسلم عن عائشة: خرج رسول الله وعليه مِرْطٌ مُرَجَّل من شعر أسود، فأدخل الحسن، ثم أدخل الحسين، ثم أدخل فاطمة، ثم أدخل عليًا، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي». وفي صحيح الترمذي ومسند أحمد: «هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا»، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: أنا معكم؟ قال: «أنتِ على خير» - أي أن نساء الرسول لا يدخلن في مفهوم أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد فسّرها الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله: «إيّانا عنى، ونحن الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا». وروى المفضّل بن عمر أنه كان جالسًا مع أبي عبد الله الصادق عليه السلام، فطلع موسى ابنه، فقال له الصادق: «أيسرّك أن تنظر إلى صاحب كتاب علي؟» فقال: أي سرور أعظم من أن أنظر إلى صاحب كتاب علي! فقال: «هذا صاحب كتاب علي الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾».
الآية الثالثة: أهل الذكر
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
والذكر هو القرآن، كما في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. إذن أهل الذكر هم أهل القرآن. يروي الوشّاء عن الإمام الرضا عليه السلام: سألته عن قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال: «نحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون».
ولم يختلف المسلمون في أن عليًا كان أعلم الصحابة وأعرفهم بالقرآن، وقد أجمع المسلمون على حديث:
«أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»
إذن أهل الذكر هو علي، والراسخون في العلم هو علي، والمطهَّرون الذين لا يمسّه إلا هم هو علي، لأنه باب مدينة العلم. هذا ما يُعبَّر عنه بـالولاية التشريعية.
المقام الثالث: الولاية التنفيذية
نستفيد الولاية التنفيذية من عدة آيات، نقتصر منها على آيتين.
الآية الأولى: آية الولاية
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]
قد ذكر جماعة من علماء أهل السنة أن هذه الآية نزلت في الإمام علي عليه السلام، وهو أمرٌ مجمَعٌ عليه تقريبًا، منهم: اللاهيجي في كتاب المواقف، والتفتازاني في شرح المقاصد، والسيوطي في لباب النقول، وأخرجه مسند أحمد، والنسائي، وأبو نعيم، والطبراني في معجمه، والطبري في الذخائر، والمغازلي في مناقبه، والخوارزمي، وذكره من المفسرين الزمخشري، وأبو حيان في تفسيره، والآلوسي في روح المعاني، وابن أبي حاتم الرازي.
عن أبي ذر الغفاري قال: رأيت بهاتين -وإلا عَمِيتا- وسمعت بهاتين -وإلا صَمِّتا- رسول الله يقول: «علي قائد البررة، قاتل الفجرة» - وذلك أن سائلًا أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن عند الرسول ما يعطيه، فأومأ إليه الإمام علي بكفه وهو راكع، وكان في خنصره خاتم، فأخذه السائل واشترى بثمنه طعامًا له، فنزلت هذه الآية.
وقد عبّر بصيغة الجمع ﴿يُقِيمُونَ﴾ و﴿يُؤْتُونَ﴾ و﴿رَاكِعُونَ﴾ تعظيمًا لمقامه، وإجلالًا له، مع أن الفعل صدر عن واحد.
تحليل معنى "وليّكم"
ما معنى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ﴾؟ قيل: يعني "ناصركم"، وهذا غير صحيح، لأسباب:
أولًا: لفظ "الولي" إذا أُطلق ينصرف إلى ولي الأمر، صاحب السلطة، كما في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ثانيًا: كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر؛ فإذا كان المراد بالولاية النصرة، فهل تنحصر النصرة في هؤلاء الثلاثة؟ كثير من المسلمين ينصرون الدين والمؤمنين، فلا تنحصر النصرة بهم. إذن حصر الولاية في الثلاثة دليل على أن الولاية بمعنى ولاية الأمر، لا النصرة.
ثالثًا: أشرك القرآن الجميع في لفظ واحد: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يُفرِد لكل طرف لفظًا مستقلًا. وهذا دليل على أن ولايتهم واحدة؛ فولاية الذين آمنوا هي نفس ولاية الرسول، وولاية الرسول هي نفس ولاية الله تبارك وتعالى.
ومن الواضح أن ولاية الله هي أن السلطة التشريعية والتنفيذية لله، وولاية الرسول أن السلطة التشريعية والتنفيذية للرسول، فيثبت هذا المعنى نفسه للإمام علي. ولذلك في يوم الغدير قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟»، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فهذه الأولوية هي الإمامة، وقد أثبتها الرسول للإمام علي يوم الغدير حين قالوا: بلى، قال: «فمن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
الآية الثانية: آية أولي الأمر
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]
نستخرج من هذه الآية عدة مضامين مهمة:
المضمون الأول: قَرْن طاعة أولي الأمر بطاعة الرسول
لم يقل القرآن "وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر" بتكرار الفعل، بل جمع بينهما في طاعة واحدة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وهذا يعني أن ما ثبت للرسول من الإطاعة المطلقة يثبت لأولي الأمر، لأن الله قرن طاعتهم بطاعة الرسول.
هنا سؤال: إذا كان أولو الأمر هم الأئمة، فلماذا جعلتهم الآية طرفًا للنزاع في قولها ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولم تقل "وإلى أولي الأمر"؟
الجواب: ليس أولو الأمر طرفًا في النزاع، وذلك لأمرين:
-
النزاع بين المخاطبين أنفسهم: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ﴾ يعني تنازعتم أنتم أيها المسلمون فيما بينكم، وليس نزاعًا بين المسلمين وأولي الأمر. فلو قيل مثلًا: "أطيعوا عمدة المدينة، فإن تنازعتم فارجعوا إلى القانون"، فهذا لا يعني أن العمدة طرف في النزاع، بل يعني أنه إن حصل نزاع بينكم فمرجعه القانون.
-
كيف يأمر بطاعتهم المطلقة ويسمح في الوقت نفسه بمنازعتهم؟ لا يجتمع عند العقلاء الأمر بالإطاعة المطلقة مع الترخيص في المنازعة. إذن أمر الآية بإطاعتهم دليل على أنهم لا يُنازَعون وليسوا طرفًا للنزاع.
أما لماذا قال ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولم يذكر أولي الأمر؟ فلبيان المرجعية، وأن المرجع في كل نزاع هو الشريعة؛ فكلمة "الله والرسول" كناية عن الشريعة، كما في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ولم يُذكر أولو الأمر مرة أخرى لأن أوامرهم هي نفس أوامر الله والرسول، وهذا أدلّ على أنهم متّحدون معهما في الإطاعة.
المضمون الثاني: التعدد في "أولي الأمر"
لماذا قال ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ بصيغة الجمع؟ لأن أولي الأمر جماعة، وهذا يؤكد أنهم الأئمة المتعددون، تصديقًا لقوله صلى الله عليه وآله: «إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي». ويؤكده القرآن الكريم في قوله:
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]
أي أن لكل قرن إمامًا، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. ويؤكده أيضًا ما ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، وفي لفظ: «كلهم من قريش»، وفي لفظ أبي داود: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى تقوم الساعة، ويكون فيكم اثنا عشر».
سؤال: لماذا لم يذكر القرآن أسماءهم؟
إذا كان أولو الأمر هم الأئمة المعصومون من ذرية الرسول، فلماذا لم يذكر القرآن أسماءهم صراحة؟
الجواب من رواية معتبرة عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام عن قول الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، فقال: «نزلت في علي والحسن والحسين عليهم السلام». قلت: إن الناس يقولون: فما له لم يُسمِّ عليًا وأهل بيته في كتاب الله عز وجل؟ فقال عليه السلام:
«قل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزلت عليه الصلاة، فقال الله: أقم الصلاة، ولم يُسمِّ ثلاثًا ولا أربعًا، حتى كان رسول الله هو الذي فسّر لهم ذلك؛ ونزلت عليه الزكاة ولم يُسمِّ لهم من كل أربعين درهمًا درهم، حتى كان رسول الله هو الذي يفسّر؛ ونزل الحج فلم يقل لهم طوفوا أسبوعًا، حتى كان رسول الله هو الذي فسّر لهم، فكذلك ذكرنا في كتابه، وسمّانا رسول الله صلى الله عليه وآله»
الإمامة الحسينية: الولاية في التطبيق
إن للأئمة عليهم السلام الولاية، وبولايتهم تصرفوا؛ فمن ذلك الإمام الحسين عليه السلام، الذي بولايته اختار له نخبة تكون أنصارًا له، وأعدّهم لنصرته، وترك لباقي الناس الخيار في الالتحاق به. قال عليه السلام وهو يسير إلى كربلاء لآلاف كانوا معه:
«إنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، ولقد بلغنا مصرع مسلم بن عقيل، فمن أراد اللحاق بنا فليمضِ، ومن لم يُرد فهو معذور»
فتفرق الناس عنه، ولم يبقَ معه إلا ثلة انتخبهم الله لنصرته. ولما لقيه الحُر بن يزيد الرياحي في نحو ألف فارس، وأشرف بعض من كان معه على الهلاك من العطش، قال الحسين لأنصاره: «قوموا واسقوا القوم الماء»، فسقوهم حتى ارتووا.
وقف الحرّ أمام الحسين عليه السلام، فقال: أريد أن أذهب بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد. فقال: «والله لا أتبعك». قال الحر: والله لا أدعك. فقال الحسين عليه السلام: «ثكلتك أمك، ما تريد أن تصنع؟ روّعتَ قلوب آل بيت رسول الله». فسكت الحرّ.
ثم أراد الحسين عليه السلام الصلاة، فقال: «إن شئتم أن تصلوا فنحن نصلي»، فقال الحرّ: بل نصلي بصلاتك يا ابن رسول الله. ثم نشر الحسين عليه السلام الكتب التي أُرسلت إليه من أهل الكوفة وقال: «إني لم أُقبل إليكم حتى أتتني كتبكم». فقال الحرّ: خذ طريقًا لا يدخلك الكوفة ولا يرجعك المدينة، ليكون ذلك عذرًا له عند ابن زياد.
سار الحسين عليه السلام حتى سأل عن اسم الأرض التي وصل إليها، فقيل: نينوى، ثم الغاضريات، ثم كربلاء. فتنفّس الصعداء وقال:
«هذا موضع كَرْبٍ وبلاء، ها هنا محطُّ رحالنا، ها هنا تُذبح أطفالنا، ها هنا تُهتك نساؤنا، ها هنا تُقتل رجالنا»
ولما نشب القتال، استُشهد أنصاره وأهل بيته واحدًا تلو الآخر، حتى استُشهد أخوه العباس بن علي مقطوع الكفين على شاطئ الفرات، ووقفت أخته زينب عليها السلام على جسده تندبه وتبكيه.
نسأل الله بحق الحسين عليه السلام، وجدّه وأبيه وأمه وأخيه، والتسعة من بنيه، وبحق أنصاره البررة، أن يغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويشفي مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، وأن يعجّل فرج وليّه وابن أوليائه، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه.
