محرم الحرام٣ محرم ١٤٤٧ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

أثر حضور الإمام المهدي في الاهتمام بالمجتمع الإسلامي

حدود العقل وأثر وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه

مدخل

لا ريب أن هناك أدلة وبراهين عديدة على ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه ووجوده وغيبته، وقد بحثها الأعلام في كتبهم، وقد بحثتُ ذلك أيضًا في كتابي "الحقيقة المهدوية" وهو مترجَم إلى اللغة الإنجليزية، ترجمته مؤسسة العروة الوثقى، وهو كتاب مفصَّل في براهين ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف وغيبته. فلسنا نتحدث اليوم عن ولادته وغيبته، فلنا حديث آخر في ذلك.

كثير من أبناء المذهب الإمامي يتساءل: أين أثر وجود الإمام المهدي بيننا؟ نحن نؤمن بوجوده، ولكننا نتساءل: المجتمع الإيماني يمر بكوارث وانتكاسات وأزمات خانقة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والديني، وتنخر فيه اختلافات حادة يأكل فيها بعض المؤمنين بعضًا. فمع هذه الكوارث والأزمات، أين أثر وجود الإمام المهدي؟ إذا كان الإمام مولودًا وموجودًا كما نعتقد، فأين أثر وجوده؟ والمجتمع الإيماني ينادي: لبيك يا مهدي، يا مهدي أدركنا! فأين الفرق بين من يعتقد بوجوده ومن لا يعتقد، مع أن الجميع يمرّون بذات الحوادث والأزمات؟

للإجابة عن هذا التساؤل نتعرض إلى محاور ثلاثة: بيان حدود العقل الإدراكي، وبيان أهمية الإيمان بالغيب، وبيان الآثار المترتبة على وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

المحور الأول: حدود العقل الإدراكي

نحن لنا عقول، لكن هل تدرك العقول كل شيء؟ رغم تقدّم العلم وتطوره المذهل في فهم الكون والحياة، ورغم تقدّم الفلسفة والعقل البشري، ما زالت هناك مناطق غامضة تقف العقول عندها حائرة، لا تستطيع اكتشاف لغزها، ولا يستطيع المنهج التجريبي أن يصل إلى قياسها ورصدها. وإليك أمثلة من الواقع الكوني والواقع الاعتقادي ما زال العقل أمامها حائرًا.

المثال الأول: الوعي

نحن نؤمن بالوعي لأننا واعون، ونؤمن بأثره، لكن الوعي ليس مجرد تفاعلات كيميائية في الدماغ؛ الوعي هو النافذة الوحيدة التي يُطلّ منها الإنسان على الحياة والكون وكل شيء. وبالوعي نفهم كل شيء، حتى مفهوم "لا شيء" ندركه بالوعي، وحتى مفهوم "اللاوعي" يدركه الوعي.

هنا نتساءل: إذا كان الدماغ مادة، فكيف ينتج إدراكات لا مادية؟ الدماغ يدرك القيم وهي غير مادية، ويدرك الأفكار وهي غير مادية، ويدرك الله وهو غير مادي. كيف للدماغ، وهو مادة، أن يدرك أشياء ليست مادية؟ هذا سؤال ما زال العقل يقف أمامه حائرًا رغم تقدّم العلم بشكل مذهل.

المثال الثاني: المادة المظلمة والطاقة المظلمة

يقرر علم الفيزياء ضرورة وجود المادة والطاقة المظلمة، لأن لهما تأثيرًا في تماسك البنية الكونية وفي اتساع الكون. ومع ذلك، إلى الآن لم يفسّر العلم لنا ماهية هذه المادة وهذه الطاقة. مع أن العلم لا يعترف بأشياء لا يمكن رصدها أو قياسها، ومع أن المنهج التجريبي لا يعترف بما لا يخضع للتجربة، إلا أنه مع ذلك يُقرّ بوجود المادة المظلمة دون أن يمكنه تفسير حقيقتها.

المثال الثالث: ولادة الزمن في غياب الزمن

كلّنا يُقرّ بأن لهذا الوجود بداية، سواء آمنّا بنظرية الانفجار العظيم أم لم نؤمن. يقول الله تبارك وتعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]

ويقول:

﴿وَيَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]

فإذا رجعنا إلى بداية الوجود، أليست تلك البداية لحظة؟ تلك اللحظة -وإن كانت نسبتها إلى الثانية واحدًا من المليار- هي زمن. فإذا كانت لحظة البداية زمنًا، فكيف وُلدت مع غياب الزمن؟ قبل الوجود لم يكن هناك زمن، فكيف وُلدت اللحظة التي هي زمن مع غياب الزمن؟ هذا سؤال يقف أمامه العلم والفلسفة حائرين، لأنه لا يمكن رصده بالمنهج التجريبي ولا البرهنة عليه بالمنهج الفلسفي.

المثال الرابع: الكون الذي نعيش فيه

يقرر العلم أن هذا الكون يعتمد على قوانين دقيقة بانتظام مذهل:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]

فهل الدقة في الكون أم في إدراكنا؟ هل القوانين التي يقوم عليها الكون وهمٌ رياضي أدركته عقولنا فآمنّا به، أم أن لها واقعية ووجودًا حقيقيًا؟ لا جواب حاسم عن هذا السؤال.

النتيجة: قصور العقل البشري

بعد سرد هذه الأمثلة، النتيجة أن العقل محدود، ولا بد أن يعترف العقل البشري بأنه محدود قاصر. هناك أشياء نؤمن بها ولا يمكن رصدها أو قياسها بالمناهج التجريبية، ولا إقامة البرهان الفلسفي عليها. الإدراك العقلي له حدود، والمنهج العلمي التجريبي له حدود، وهناك حقائق ما زالت ملغزة ومبهمة.

هذا على مستوى الواقع الكوني، وننتقل الآن إلى مستوى الواقع الاعتقادي.

الروح

هل هناك تفسير للروح؟ يقول القرآن الكريم:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]

والقرآن دائمًا يضيف الروح إلى الأمر لا إلى الخلق؛ فيقول ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾، ويقول ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾، لكنه لا يقول "خلقنا الروح"، بل يقول:

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]

فما هي الروح؟ ليس هناك جواب حاسم؛ إنها لغز مبهم.

الموت

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]

﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]

الموت ليس هو توقف القلب عن النبض؛ هذا علامة على الموت وأثر له، وليس هو الموت. فهل هو انتقال النفس من عالم إلى عالم؟ هل هو احتباس الروح في عالم الأرض وعالم المادة؟ لا نعرف حقيقة الموت، مع أنه حقيقة نؤمن بها، لكن حقيقتها ما زالت لغزًا.

علم الله بمخلوقاته قبل خلقها

هذا سؤال من أشد المسائل عويصةً، وما زال علماء الكلام والفلسفة حائرين أمامه: كيف علم الله بمخلوقاته قبل أن يخلقها؟

علمنا بالأشياء قسمان: علم حصولي، وهو أن تكون للشيء صورة في الدماغ، وعلم حضوري، وهو علمي بنفسي ومشاعري وأفكاري من دون حاجة إلى صورة.

أما علم الله بمخلوقاته قبل أن يخلقها، فليس حصوليًا لأن الله ليس مادة حتى ترتسم في "ذهنه" صور، وليس حضوريًا لأن الأشياء لم تُخلق بعد حتى يكون لها حضور لديه. فما هو؟ لغز ما زال قائمًا.

الخلاصة

بالنتيجة، العقل البشري قاصر، محدود، مصداق لقوله عز وجل:

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]

فإذا قال الإنسان: أنا أؤمن بوجود الإمام المهدي لكن لا أرى له أثرًا، فليعلم أن عدم رؤية الأثر لا تعني عدم الأثر، ولا تعني عدم الوجود. فليرجع الإنسان إلى عقله وليعترف أن هناك حقائق في عالم الطبيعة وعالم المعتقدات ما زال عقله قاصرًا عن نيلها وإدراك كنهها وحقيقتها.

المحور الثاني: أهمية الإيمان بالغيب

لماذا يوجد غيب؟ يقول الله تبارك وتعالى:

﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١-٣]

فالإيمان بالغيب صفة المتقين. لماذا لا يُظهرنا الله على كل شيء؟ لماذا لا يكشف لنا كل الحقائق؟ يقول تعالى:

﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]

الحكمة من وجود الغيب

وجود هذه المساحة المسمّاة بالغيب إنما هو من أجل أن يعترف الإنسان بأنه عبد مملوك، لا بد له من الخضوع والتسليم. فمهما بلغ الإنسان من القوة العسكرية أو الاقتصادية أو العقلية، فهو عبد مملوك يتصرف الله فيه بما يريد، بالمرض والصحة والابتلاءات.

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣]

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٨]

يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام:

"ما لابن آدم والفخر؟ أوله نطفة، وآخره جيفة، وهو ما بينهما يحمل العَذِرة"

أراد الله أن يبيّن لنا حجمنا، وأننا عباد مملوكون قاصرون، فجعل مساحة الغيب كي نعترف بالعبودية والمملوكية له تبارك وتعالى. يقول تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]

فالعبادة هي الخضوع والخشوع والاعتراف بالعبودية والمملوكية، وحتى يصل الإنسان إلى درجة العبادة يحتاج إلى تدريبات وتمرينات.

مثال الجندي

الجندي إذا دخل مركز التدريب، يأمره المدرب: "استعد! افتح يديك! افتح رجليك! يمين! يسار!" من دون تبريرات أو توجيهات أو تعليلات، لماذا؟ حتى يُدرَّب الجندي على روح الطوعية والخضوع والتسليم، ليكون مطواعًا خاضعًا مسلّمًا. لأنه لو عرف التبريرات لما تفاعل إلا بقدر ما يفهم منها، لكن المدرب يأمره بلا كلام حتى تحصل عنده روح الطوعية.

هكذا تعامل الله مع خلقه؛ جعل مساحات غيبية: أنت تصلي المغرب ثلاث ركعات، لماذا؟ لا تفسير. تصلي الظهر ركعتين، لماذا لا تكون ثلاثًا؟ لا تفسير. تطوف بالكعبة سبعة أشواط، لماذا لا تكون خمسة؟ لا تفسير. ترمي جمرة العقبة سبع حصيات، لماذا؟ لا تفسير.

هذه كلها مساحات غيبية، لكي تتحقق عندك روح المطوعية والخضوع والتسليم، فلا بد أن تمارس العبادة بلا تبريرات ولا توجيهات، خلوصًا لله وخضوعًا له تبارك وتعالى بدون أي تبرير.

من مصاديق الغيب: وجود الإمام المنتظر

من مساحات الغيب وجود الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. كما أن المغرب ثلاث ركعات بدون تفسير، الإمام موجود، فهمت التفسير أم لم تفهمه. الذي يعنيني أن أُظهر الخضوع والتسليم لله تبارك وتعالى لأوامره ونواهيه.

في الرواية الواردة عن داود بن كثير الرقي، عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه سأله عن قوله تعالى:

﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١-٣]

قال: "ما هو الغيب؟" فقال: "من آمن بقيام القائم أنه حق، فذلك الغيب". وهذا يعبّر عنه الفقهاء بـ"التفسير المصداقي" أو "التطبيقي"، أي أن من مصاديق الغيب وجود الإمام المهدي وولادته صلوات الله وسلامه عليه.

المحور الثالث: آثار وجود الإمام المهدي

ما هي الآثار المترتبة على وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ عندنا أثر كوني، وأثر تشريعي، وأثر روحي، وأثر اجتماعي.

الأثر الأول: الأثر الكوني

يُرجع في هذا إلى كتاب "بصائر الدرجات" لأحد أعلامنا الأقدمين، الجزء الأول، صفحة ٤٨٨، الباب الثاني عشر، باب "لا تخلو الأرض من حجة"، وفيه روايات عديدة عن الإمامين الرضا والباقر والصادق عليهم السلام. سأل الجعفري الإمام الرضا عليه السلام: هل تخلو الأرض من حجة؟ فقال: "لو خلت الأرض من حجة لساخت بأهلها".

ما معنى هذا الكلام؟ هناك مجموعة من العلماء، منهم السيد الخوئي والإمام الخميني: الخوئي في "مصباح الفقاهة" الجزء الثالث صفحة ٢٨٩، والخميني في "مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية"، كلاهما يقول: الإمام واسطة الفيض.

معنى واسطة الفيض

هناك فرق بين المُفيض وواسطة الفيض. حين أكتب سطرًا على الورق، فأنا المُفيض للكتابة، وواسطة الفيض هي حركة اليد بالقلم. وكذلك ضوء الشمس، فالشمس هي المُفيضة للضوء، لكنها تحتاج إلى واسطة حتى يصل الضوء إلى جميع بقاع الأرض، وهي حركة الأرض حول نفسها.

كذلك الله بالنسبة لهذا الوجود؛ المُفيض للخلق والصنع والوجود هو الله، والنبي محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسائط في الفيض. تقرأ في الزيارة الجامعة الواردة عن الإمام الهادي عليه السلام:

"بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم يُنزّل الغيث، وبكم يُمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبكم يُنفّس الهمّ، وبكم يُكشف الضرّ"

فالله لا يحتاج إلى ذلك، وهو قادر على الخلق بلا وسائط، لكنه تشريفًا لهم وتكريمًا لمقامهم جعلهم وسائط في الفيض، من دون حاجة منه إليهم ولا عجز منه تبارك وتعالى، وإنما تشريف لهم أعطاهم هذا المنصب؛ كما أعطى ملك الموت مهمة توفي الأرواح:

﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]

من هنا نفهم معنى قوله: "لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها"، وهذا أثر تكويني لوجود الإمام.

الأثر الثاني: الأثر التشريعي

ما هو الأثر التشريعي لوجود الإمام؟ حفظ الدين. يذكر الشيخ الطوسي في "الأمالي" صفحة ٢١، أن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال:

"اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا أو مستترًا مغمورًا، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته"

فدور الإمام حفظ الدين، وإن كان غائبًا عن أعيننا. في كل عصر يمرّ على المسلمين توجد فئة تتصدى للطعن في الدين والتشكيك فيه وتشويه سمعته وتحريف الناس عنه، ومع هذا كله، في مقابل هؤلاء المشككين والمشوّهين، توجد ثلة مسدَّدة من قبل صاحب العصر والزمان للدفاع عن الدين وحفظه ودفع التشكيكات والتشويهات والطعون في القرآن والسنة، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته.

يقول الله تبارك وتعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]

وإنما يُحفظ الذكر على الأرض بوجود من هو قرين له، وهو الإمام المعصوم. جاء في الحديث الشريف:

"إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"

ففي كل عصر فيه قرآن، فيه إمام دوره حفظ القرآن، وفي كل عصر فيه دين، فيه إمام دوره حفظ الدين. هذا هو الأثر التشريعي لوجود الإمام.

الأثر الثالث: الأثر الروحي

لاحظ أن القرآن الكريم عندما يذكر لفظ "الأئمة" يقرنهم بكلمة الهداية:

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]

ويقول تعالى:

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]

فالرسول صلى الله عليه وآله منذر، لكن مضافًا إليه، ما ترك الله زمنًا إلا وجعل فيه هاديًا. جاء في كتاب "الكافي" الجزء الأول صفحة ١٩١ أن الراوي سأل الإمام الصادق عليه السلام عن معنى هذه الآية، فقال:

"رسول الله هو المنذر، ولكل زمان منّا هادٍ يهديهم إلى ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله"

وقال الإمام الرضا عليه السلام: "وما زالت فينا إلى قيام الساعة". فالإمام وإن كان غائبًا، إلا أن غيبته لا تعني انقطاع علاقته بالبشر؛ فهو بيننا يهدي من يراه قابلًا للهداية ومستعدًا لها، ويؤثر عليه بعلاقة مباشرة أو غير مباشرة. هذا هو الأثر الروحي.

الأثر الرابع: الأثر الاجتماعي

للإمام أثر على الحياة الاجتماعية الإيمانية. روى الحافظ يحيى بن بطريق في كتابه "نهج العلوم إلى نفي المعدوم" رواية قال إنها مما تلقّتها الإمامية بالقبول، ورواها الطبرسي في "الاحتجاج"، وابن شهر آشوب في "المناقب"، وقطب الدين الراوندي في "الخرائج والجرائح"، أن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف أرسل رسالتين إلى الشيخ المفيد عليه الرحمة.

في الرسالة الأولى قال:

"إنا غير مُهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولانا لنزلت بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء"

وفي الرسالة الثانية، وهي بالغة الأهمية، قال:

"ولو أن أشياعنا -وفقهم الله لطاعته- كانوا على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا"

إشكال: أين الأثر الاجتماعي؟

هنا يأتي السؤال: أين الأثر الاجتماعي للإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف؟ وللإجابة عن هذا السؤال أطرح نقدًا وحلًّا.

أما النقد: فإن كل المسلمين، بل كل المؤمنين بالله من جميع الأديان، يؤمنون بثلاثة مفاهيم: الدعاء، والتوكل على الله، والرحمة الإلهية.

فالدعاء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. أليس الناس يدعون؟ فأين الإجابة؟

والتوكل، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:

"من أُعطي ثلاثًا أُعطي ثلاثًا: من أُعطي التوكل أُعطي الكفاية، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ومن أُعطي الدعاء أُعطي الإجابة، وذلك قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ومن أُعطي الشكر أُعطي الزيادة، وذلك قول الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾"

فنحن نتوكل على الله، ومع ذلك قد نُخفق في الامتحان أو الدراسة أو الوظيفة أو العلاقات؛ فأين أثر التوكل؟

والرحمة، أليس الله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ويقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؟ فلماذا يمر المسلمون بانتكاسات وأزمات وظروف خانقة؟

إذن المسألة لا تقتصر على السؤال عن أثر الإمام المهدي، بل يعمّ السؤال كل المسلمين وكل المؤمنين بالله من جميع الأديان.

الحل: الفرق بين المقتضي والشرط وعدم المانع

لكل وجود ثلاثة عوامل: المقتضي، والشرط، وعدم المانع.

مثال أول: المشي لا يتحقق إلا بثلاثة عوامل: المقتضي وهو الإرادة، فلولا الإرادة لما وُجد المشي. والشرط وهو حركة الرجلين، فالمشلول لا يستطيع المشي وإن وُجدت الإرادة، لأن الشرط غير متحقق. وقد يتحقق المقتضي والشرط، لكن وجود المانع -كأن تكون الأرض فيها عوائق- يمنع من تحقق المشي.

مثال آخر أوضح: شرب الدواء. المقتضي هو إرادة الشرب، والشرط هو التقيد بكيفية الشرب (قبل الطعام أو بعده)، ومع ذلك قد لا أُشفى من مرضي لوجود موانع.

كذلك الدعاء: الله يستجيب الدعاء، لكن الدعاء مقتضٍ فقط وليس علة تامة؛ لا يعني أنك إذا دعوت فحتمًا تحصل الإجابة، بل تحتاج الإجابة مضافًا إلى الدعاء إلى الشرط وعدم المانع.

كذلك وجود الإمام: له أثر، لكن أثره يحتاج إلى الشرط وعدم المانع. الشرط هو وجود تلك الأمة المتمسكة به، المخلصة له، اللاجئة إليه خاضعة موقنة به، مع عدم وجود موانع، مثل كثرة الفواحش واتساع الذنوب وقتل بعضنا بعضًا وتكفير بعضنا بعضًا.

ولذلك يقول الإمام عجل الله فرجه: "ولو أن أشياعنا -وفقهم الله لطاعته- كانوا على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا".

فالمشكلة فينا، لا في الإمام. نحن الغائبون، وليس الإمام هو الغائب. ولذلك تقرأ في دعاء الندبة:

"بنفسي أنت من غائبٍ لم يخلُ منّا، بنفسي أنت من نازحٍ ما نزح عنّا، بنفسي أنت أمنيّة شائقٍ يتمنّى من مؤمنٍ ومؤمنةٍ ذكرى تحنّى"

أثر وجود الإمام في حياة المؤمن

إن وجود الإمام المهدي واعتقادنا بوجوده يجدّد فينا الأمل بالفرج، ويجدد فينا الأمل بانفراج الأزمات، ويجدد فينا الأمل بأن وراء كل عسر يسرًا، ووراء كل شدة فرجًا.

كذلك وجود الإمام يجعلنا نراقب أعمالنا، لأن الإمام يرانا، قال تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]

وورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أن "المؤمنون هم الأئمة الذين تُعرض عليهم الأعمال فيرونها كما كان يراها رسول الله صلى الله عليه وآله". وقد يقول قائل: من يحتاج إلى إمام يراقبنا، والله يراقبنا؟ صحيح، لكن كما أن الله يراقبنا، فإن الملائكة أيضًا تراقبنا:

﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]

فكما أن هناك ملائكة تراقبنا، فهناك إمام وحجة لله يشاهدنا ويراقبنا، وهذا ما يجعلنا نكفّ عن العمل القبيح ونرتدع عن المعصية.

الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين هو أملنا، وهو الشاهد علينا، وهو وسيلتنا إلى الله تبارك وتعالى. قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]

وأنتم تقرأون في دعاء التوسل: "أيها المهدي، يا ابن الحسن، يا خَلَف الحسن العسكري، أيها الحجة، إنا توجّهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله، وقدّمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهًا عند الله اشفع لنا عند الله".

خاتمة

نسأل الله تبارك وتعالى أن يعجّل فرج وليّه وابن أوليائه، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، وأن يغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا ويكفّر عنا سيئاتنا ويتوفانا مع الأبرار، وأن يشفي مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، وأن يقضي حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، إنه سميع مجيب.