محرم الحرام١٣ محرم ١٤٣٣ هجري

فلسفة آية الكرسي: المحكم والمتشابه ونسبة الكرسي إلى العرش

آية الكرسي: بين المحكم والمتشابه ونسبة الكرسي إلى العرش

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]

سيكون حديثنا انطلاقًا من هذه الآية المباركة في محورين؛ الأول في بيان المحكم والمتشابه، والثاني في بيان معنى الكرسي ونسبته إلى العرش بالنسبة لله تبارك وتعالى.

المحور الأول: المحكم والمتشابه

قال تبارك وتعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]

المحكم هو الآية الواضحة الدلالة، والمتشابه هو الآية المُجملة في دلالتها، الغامضة في تحديد معناها. ومنشأ ذلك أنّ الآيات المحكمات هي الآيات التي تتضمن مضامين عامة وتتحدث عن مبادئ عامة، فلأنها تتحدث عن مبادئ عامة تكون دلالتها واضحة، مثل قوله عز وجل:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]

ومثل قوله عز وجل:

﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]

ومثل قوله عز وجل:

﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]

هذه مضامين عامة في الكتاب، فآياتها آيات محكمة.

مناشئ التشابه في الآيات

أما الآيات المتشابهة، فما هو سبب التشابه؟ أي ما هو منشأ إجمال دلالتها وغموض معناها؟ نشير إلى ثلاثة مناشئ:

المنشأ الأول: قد يكون منشأ الإجمال هو الإطلاق وعدم التحديد، مثل قوله عز وجل:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]

فقد أطلق "اليد" ولم يحددها، مع أن اليد في اللغة تُطلق على تمام هذا العضو، وتُطلق على الذراع، وتُطلق على الكف، وتُطلق على الأصابع. فحيث أطلق اليد ولم يحددها، صار ذلك منشأً لإجمال الآية، فأصبحت من الآيات المتشابهة.

المنشأ الثاني: أن يكون نفس اللفظ مجملًا بحسب معناه اللغوي، مثل قوله عز وجل:

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]

فكلمة "أنّى" بحسب اللغة لفظ مجمل، لا يُعلم أن المراد بها الزمان أو المكان؛ فقد تعني "في أي زمان شئتم إلا زمان الحيض"، وقد تعني "من أي مكان شئتم إلا ما أخرجه الدليل الآخر". فهي مجملة بين الزمان والمكان بحسب معناها اللغوي، وهذا ما أوجب إجمال الآية وكونها من الآيات المتشابهة.

المنشأ الثالث: أن يكون منشأ التشابه هو وصف المجردات بوصف الماديات. فالقرآن الكريم استخدم الكناية والاستعارة والمجاز المرسل في كثير من مضامينه ومداليله، وأحيانًا تقتضي الكناية أو الاستعارة أن تُوصف الأشياء المجردة - أي غير المادية - بأوصاف المادة، فيقع الاشتباه والغموض. مثل قوله عز وجل:

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]

فالله ليس أمرًا ماديًا، لكنه وُصف بأوصاف المادة، فحصل الاشتباه وصارت الآية من الآيات المتشابهة. ومثل قوله عز وجل:

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]

فالله ليس جسمًا حتى يُعقل فيه المجيء والذهاب، لكنه وُصف بأوصاف الأجسام، فأصبحت الآية من الآيات المتشابهة. ومثل قوله عز وجل:

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: ٥]

والاستواء من أوصاف المادة، فأصبحت الآية من الآيات المتشابهة.

تطبيق المقارنة على آية الكرسي

إذا قارنّا بين قوله عز وجل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقوله ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، نجد أن الآية الأولى محكمة لأنها تعرضت لمعنى عام ولم تصف المجرد بأوصاف المادة، بينما الآية الثانية متشابهة لأنها تعرضت لخصوصية معينة - وهي علاقة الله بالعرش - ووصفت هذه الخصوصية بوصف المادة.

وكذلك آية الكرسي التي ابتدأنا بها، وهي قوله عز وجل ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ فالله يريد أن يتحدث عن علاقته بالسماوات والأرض والكون، ووصف هذه العلاقة بوصف المادة وهو "الكرسي"، والكرسي من أوصاف الأجسام، فأصبحت هذه الآية من الآيات المتشابهة.

هذا هو المحور الأول من حديثنا: بيان المحكم والمتشابه وارتباطه بآية الكرسي. ننتقل الآن إلى المحور الثاني، المتعلق بالحديث حول الكرسي والعرش ونسبته إلى الوجود، وفيه نذكر أمورًا ثلاثة.

المحور الثاني: الكرسي والعرش

الأمر الأول: فضل آية الكرسي

آية الكرسي أفضل آيات القرآن بعد سورة الفاتحة. ورد في الأحاديث الشريفة في تفسير العياشي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه سُئل: ما أفضل آية نزلت على النبي صلى الله عليه وآله؟ فقال:

«هي آية الكرسي»

وإذا قارنّا آية الكرسي بآيات أخرى، ربما يكون المعنى موجودًا في آيات أخرى، مثل قوله في سورة طه:

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨]

فتعرض للأسماء الحسنى بشكل إجمالي، دون بيان ما هي هذه الأسماء. أما في آية الكرسي فقد تعرض للأسماء الحسنى بشكل تفصيلي؛ فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، فبيّن الأسماء الحسنى بشكل تفصيلي.

وفي رواية أخرى مهمة، يذكر الشيخ الصدوق في كتابه "معاني الأخبار" عن الباهلي، عن الإمام الصادق عليه السلام، أن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال:

«لا يوجد رجل أدرك عقله الإسلام - أو وُلد في الإسلام - يبيت ليلته سوادها حتى يقرأ هذه الآية»

يعني آية الكرسي، أي لا يصح لبيت مسلم أن يبيت ليلة دون أن يُقرأ فيها آية الكرسي. ثم قرأها إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ولم يقرأ ما بعدها من الآيات الثلاث، مما يدل على أن آية الكرسي إذا أُطلقت تنصرف إلى الآية الأولى كاملة.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

«لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أُعطيت آية الكرسي من كنز هو تحت العرش»

ثم قال أمير المؤمنين: «فمنذ سمعت ذلك ما تركتها ليلة قط». وهذا يدل على مرغوبية ومحبوبية قراءة آية الكرسي، هذه الآية العظيمة، في كل ليلة وفي كل حال، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

الأمر الثاني: نسبة الكرسي إلى العرش

في آيات أخرى تحدّث القرآن عن العرش، مثل قوله: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، وقوله ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وهنا تحدّث عن الكرسي في قوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فما هي نسبة الكرسي إلى العرش؟

نتناول هذه المسألة من خلال ثلاثة منظورات: المنظور السياقي، والمنظور الفلسفي، والمنظور الروائي.

المنظور السياقي

بغض النظر عما ذكرته الروايات الشريفة، لو تأملنا سياق الآية نجد أنها تتحدث عن صفات متسلسلة:

  • ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾: صفة التوحيد.
  • ﴿الْحَيُّ﴾: له الحياة المطلقة.
  • ﴿الْقَيُّومُ﴾: له القيومية والإحاطة والسيطرة المطلقة.
  • ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: إشارة إلى القدرة، وأنه لا يطرأ عليه عجز أبدًا.
  • ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: إشارة إلى الملك، كما قال في آية أخرى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. ولأن بيده الملك، فلا يقدر أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه.
  • ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: صفة العلم.
  • ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: كناية عن السلطنة ونفوذ الأمر.

فالكرسي هنا، بحسب المنظور السياقي، كناية عن سلطنته تبارك وتعالى ونفوذ أمره، كما قال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤].

المنظور الفلسفي

العرش والكرسي كلاهما مراتب من علمه تبارك وتعالى. من مراتب علمه العرش، ومن مراتب علمه الكرسي، ومن مراتب علمه العلم الفعلي. وإنما كل مرتبة من مراتب العلم يُعبَّر عنها بعنوان معين وبمقام معين.

مثال توضيحي: لنفترض ملكًا يملك دولة، أو صاحب شركة كبيرة، فإن لملكه ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: مرتبة الملك الفعلي، وهي العمال الذين يعملون بأمره، كل في مقامه الخاص - هذا يحرث، وهذا يزرع، وهذا يصنع. هؤلاء العمال يشكّلون مرتبة من مراتب ملكه، وتُسمى بـمرتبة الملك الخارجي. ويعبّر عنها الفلاسفة بـ**"مرتبة تزاحم الإرادات"**؛ لأن كل عامل يعمل في جهته، وقد يزاحم عاملًا آخر، فيقع التنافس والتعارض بين هذه الإرادات، وقد يطغى بعضها على بعض.

المرتبة الثانية: مرتبة الحكومة بين هذه الإرادات المتزاحمة، وهي مرتبة يقوم بها الملك نفسه، بأن يقدّم إرادة على أخرى، ويرجّح عاملًا على آخر، ويفصل في الخصومات ويرفع النزاع. هذه نسميها مرتبة السلطنة.

المرتبة الثالثة: مرتبة التقدير؛ فلا ملك يدير دولة بدون مخطط، ولا صاحب شركة يديرها بلا تخطيط. وهذا المخطط يحوي تفاصيل شؤون الشركة أو الدولة، وجميع هذه التسلسلات محفوظة في وعاء لدى الملك يُسمى "وعاء التقدير".

نُسمّي المرتبة الأولى مرتبة الوجود، والمرتبة الثانية مرتبة الكرسي (وهي مرتبة الحكومة والسلطنة)، والمرتبة الثالثة مرتبة العرش (وهي مرتبة التقدير والإحاطة). فالعرش مرتبة فوق مرتبة الكرسي، والكرسي مرتبة فوق مرتبة الوجود الخارجي.

تطبيق ذلك على علم الله تعالى:

هناك مرتبة من مراتب علمه وهي وجودنا نحن، وجودنا المادي بحدوده. هذا العالم المادي بحدوده وتفاصيله معلوم لدى الله عز وجل، وعلمه به عين وجوده؛ فالله لا يحتاج أن يأخذ عنّا صورة حتى يعرفنا، بل علمه بنا عين وجودنا. فهذه المرتبة تُسمى مرتبة العلم الفعلي.

ثم هناك مرتبة أعلى، وهي مرتبة السلطنة؛ فنحن قبل هذا الوجود المادي كان لنا وجود غير مادي وغير محدود. والفلاسفة يقولون: المادة منشأ الحد والنقص، والتجرد منشأ الكمال والإطلاق؛ فبمجرد أن تصبح الأشياء مادية - لها طول وعرض وعمق - يلزمها الحد، والحد منشأ النقص. فالحجر لا يمكن أن يصبح نباتًا لوجود حدٍّ يمنعه، والنبات لا يقدر أن يصبح حيوانًا، وهكذا. أما المجرد فلا يعرف الحد ولا النقص، ويكون كمالًا محضًا.

فقبل وجودنا المادي، كنا محدودين بعلم الله فقط، لا بحدود مادية، وذلك الوجود غير المادي هو عين علمه بنا تبارك وتعالى، وذلك العلم هو المسمى بـالكرسي. قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]

فعالم الكرسي هو مرتبة من علم الله، وهو علمه بالأشياء من حيث أنها غير محدودة ومجردة، لا من حيث أنها محدودة. وهي مقام السلطنة ومظهر لسلطنته تبارك وتعالى.

فوق هذه المرتبة، مرتبة العرش، وهي علمه بجميع ما سواه، لا بالماديات فقط، بل بجميع ما سواه تبارك وتعالى، الشامل لعالم الجبروت (عالم العقول)، وعالم الملكوت (عالم النفوس)، وعالم الملك، وغيرها من العوالم. وفي هذه المرتبة مبدأ الأشياء كلها؛ فسلسلة الأسباب والمسببات كلها معلومة في هذه المرتبة من علمه، وهي مظهر لمالكيته تبارك وتعالى وقيوميته لجميع ما سواه.

المنظور الروائي

نقتصر هنا على رواية واحدة جامعة، رواها الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتاب "التوحيد" عن حنان بن سدير، عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه سأله: ما العرش وما الكرسي؟ فأجاب الإمام عليه السلام:

«العرش والكرسي بابان من أبواب الغيب، وهما مقرونان بالغيب [لا ينفكّان]، فالكرسي هو الباب الظاهر من الغيب، منه مطلع الأشياء ومنه البدع بالعين، والعرش هو الباب الباطن من الغيب، وفيه علم الكيف والقدر والمشيئة وصفة الإرادة والكون»

هذا الحديث مصدره الإمام الصادق عليه السلام، منهل العلم ومصدره، الذي قال للسائل قتادة حين دخل على الإمام الباقر عليه السلام:

«يا قتادة، بلغني أنك تفسر القرآن؟ قال: نعم. قال: إن كنت تفسره من عندك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت تفسره من الرجال فقد هلكت وأهلكت؛ إنما يعرف القرآن من خوطب به»

وهذا يذكّرنا بحديث الثقلين الذي يوجّهنا لأهل البيت:

«إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»

فمن الأولى الرجوع إلى قول الإمام الصادق عليه السلام في تفسير العرش والكرسي.

بيان معنى الحديث: العرش والكرسي عبارة عن علمه تبارك وتعالى، لكن لهذا العلم لحاظان: لحاظ بالنسبة إليه جل وعلا، ولحاظ بالنسبة إلى الوجود. فعلمه إذا لوحظ بالنسبة إليه فهو الباب الباطن من الغيب، لا يعلمه إلا هو. وإذا لوحظ بالنسبة إلى عالم الوجود - حيث إن هذا الوجود ينحدر عن علمه وينبعث منه - فهو الباب الظاهر من الغيب.

وعلمه تبارك وتعالى ليس علمًا صوريًا، بل هو علم حضوري؛ المعلوم حاضر بنفسه عنده، وليس عبر الصورة أو بواسطتها. ونحن - الموجودات التي خلقها وبرأها - مررنا بثلاث حالات، مع العلم أن التغير والتحول إنما هو في المعلوم نفسه، لا في علمه تبارك وتعالى:

الحالة الأولى: كنا جميعًا وجودًا واحدًا إجماليًا بسيطًا، لا كثرة فيه ولا تعدد، جميع الموجودات مطوية فيه.

الحالة الثانية: بُسط هذا الوجود المطوي، فخرج من اللف إلى النشر، ومن الطي إلى البسط، ومن الإجمال إلى التفصيل، كما قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]

ولذلك فإن هذا الوجود الذي نعيش فيه الآن - من سماء وأرض وشمس وقمر وإنسان وحيوان ونبات - سيُعاد مرة أخرى ليُطوى، ويرجع إلى الوجود البسيط الإجمالي، وهو ما تشير إليه الآيات القرآنية بـ"يوم الجمع" و"يوم الطي"، إذ تُجمع هذه التفاصيل في وجود واحد، كما قال تعالى في وصف السماوات والأرض بأنها مطويات بيمينه.

فهذا الوجود، حين كان إجماليًا بسيطًا، كان علمه به تبارك وتعالى عين إفاضته له، وتلك المرتبة من العلم تسمى العرش، وهي الباب الباطن من الغيب.

الحالة الثانية للوجود: ثم مرّ هذا الموجود بمرحلة أخرى، فصار كثيرًا؛ بُسط الوجود الإجمالي فأصبح وجودًا تفصيليًا، لكنه ما زال مجردًا من المادة. فوُجدنا في عالم آخر وجودًا تجريديًا، وعلمه بنا في ذلك العالم هو عين إيجادنا وجودًا تجريديًا، وذلك العالم هو عالم الكرسي، وهو الباب الظاهر من الغيب.

الحالة الثالثة: ثم تنزّلنا إلى هذا العالم المادي، نزلنا بالحدود والأقدار، كما قال تعالى:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]

فهذا الوجود الذي نحن فيه هو عالم المحو والإثبات:

﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]


نسأل الله تبارك وتعالى أن يُبصّرنا بمعارف القرآن، وأن يهدينا للتدبر فيه، وأن يربطنا بأهل الذكر وأهل القرآن، أهل بيت النبوة. اللهم ثبّتنا في الدنيا على ولايتهم والبراءة من أعدائهم، واجعلنا معهم أحياءً وأمواتًا.