حقيقة الدعاء وشروط استجابته
حقيقة الدعاء وشروط استجابته
صلَّى اللهُ وسلَّم عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك المنتجَبين، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا.
تنبيهات على أسئلة سابقة
قبل الدخول في صلب الموضوع، هناك ثلاثة أسئلة ملحّة تتعلق بمحاضرات سابقة، أحببتُ الإشارة إليها سريعًا:
السؤال الأول: ذُكر في محاضرة سابقة أن إبراهيم عليه السلام كان يائسًا من الذرية، فظنّ البعض أن المقصود يأسه من رحمة الله، وتساءلوا: كيف يكون معصومًا وهو يائس من رحمة الله؟ والجواب: هناك فرق بين الشخص المعتقد بأن لا ذرية له، وبين الشخص القانط اليائس من رحمة الله. وظاهر الآيات يدلّ على المعنى الأول، قال تعالى:
﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٣-٥٥]
فكان إبراهيم عليه السلام معتقدًا بأنه لا نسل له، لا أنه كان قانطًا من رحمة الله، وقد أنعم الله عليه بالذرية في شيخوخته، وهذا لا ينافي عصمته.
السؤال الثاني: ذكرنا سابقًا الرواية الصحيحة "لا ربا بين الوالد وولده"، وقد عمل بها الفقهاء، إلا أن المتأخرين منهم، كالسيد الخوئي والسيد السيستاني، يرون جواز الربا من الطرفين معًا، لا من طرف الأب فقط؛ فيجوز للأب أن يُقرض ولده بفائدة، كما يجوز للولد أن يُقرض أباه بفائدة. نعم، بعض الفقهاء القدامى يمنع ذلك في حق الولد، لكن المتأخرين يعمّمون الحكم للأب والولد معًا.
السؤال الثالث: يتعلق بمحاضرة الأمس، حيث لم يتضح لبعض الإخوة المغزى منها، إذ ذُكر أن الواقع فرض نفسه، ثم قيل بضرورة الثبات على الدين، فكيف يوفَّق بين الأمرين؟ والجواب أن الأصالة للدين لا للواقع؛ فنحن لا نُحكِّم الواقع على الدين، بل نُحكِّم الدين على الواقع. لذلك، على كل متدين أن يلتزم بالدين، فإذا أحرجه الواقع، فليبحث عن مخرج شرعي، لا أن يعتمد على هواه أو مزاجه أو أي فتوى أو كلام يُنقل دون تثبّت، بل يعتمد على مخرج فقهي من فقيه معتبر معتدّ به، حتى تكون أعماله وفق الطريقة الشرعية.
المدخل: لماذا لا يُستجاب الدعاء؟
بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
السؤال المُثار: لماذا لا يُستجاب دعاؤنا؟ نحن ندعو بإخلاص وإلحاح، ولكن لا نرى أثرًا للدعاء. هناك المرضى والمضطهَدون والمحرومون يدعون بإلحاح ولا يُستجاب دعاؤهم، فما السبب؟
سنبحث هذه القضية عبر ثلاثة محاور: الذِّكر في القرآن الكريم، وتأثير المناجاة على شخصية الإنسان، وحاجتنا إلى الدعاء.
المحور الأول: الذِّكر في القرآن الكريم
هناك آيتان تحتاجان إلى تأمّل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
أولًا: "وأقم الصلاة لذكري"
مع أن الصلاة نفسها ذِكر، إذ يقول القرآن:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]
إلا أن القرآن يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، مما يدل على أن وراء الذكر اللساني ووراء الذكر الصلاتي هدفًا آخر، هو الذكر القلبي المعنوي. فالهدف من الصلاة أن تستحضر رقابة الله في عقلك وروحك أثناء أدائها، قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢]
فهذا هو معنى الخشوع واستحضار الله.
ثانيًا: "ولذكر الله أكبر"
كيف يكون الذكر أكبر من الصلاة نفسها؟ هنا تفسيران:
التفسير الأول: ذِكر الله للعبد أكبر من ذِكر العبد لله، قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
التفسير الثاني (وهو تفسير دقيق): ذِكر الله أكبر من الإنسان وأكبر من هذا الوجود كله. ومعنى ذلك أن ذِكر الله شفرة خفية موجودة في صميم كل كائن في هذا الكون، وهذا ما يؤيده كلٌّ من المنطق القرآني والمنطق العلمي.
أما المنطق القرآني، فقوله تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١]
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]
فكل شيء في هذا الوجود، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، يسبّح، وهذا يعني أن له لغة، وإذا كان له لغة فله حياة؛ لأن اللغة فرع الحياة. فكل شيء في هذا الكون له لغة وحياة، لأنه يسبح الله تبارك وتعالى، ولكن لا نفقه تسبيحه.
وأما المنطق العلمي، فقد نشرت "الجزيرة نت" بتاريخ (٦/٤/٢٠٢١) مقالًا لشادي عبد الحافظ جاء فيه: "لأول مرة توصّل فريق بحثي من جامعات هولندية وألمانية إلى الاستماع لمحادثة بين ذرّتين"، وهذا الاكتشاف سيسهم في تطوير التعامل مع الحواسيب الكمومية مستقبلًا، وسيكون نقلة في عالم التقنية. ومعنى "الحديث بين ذرّتين" أنه عملية استشعار وتبادل إشارات، إذ ترسل كل ذرة إشارة إلى الأخرى فتستجيب لها بإشارة أخرى، وهذا يعني أن للذرات لغة وحديثًا، وأن عملها ليس عملًا قسريًا ميكانيكيًا، بل عمل لغوي قائم على تبادل الإشارات والاستشعار.
من هنا نتوصل إلى معنى "ولذكر الله أكبر": فذِكر الله شفرة كائنة وقائمة في كل كائن في هذا الكون، من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة؛ فيها حديث، وفيها تسبيح، وفيها اعتراف بالفقر الوجودي لله تبارك وتعالى. يقول القرآن الكريم:
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]
فكيف يكون الجبل، وهو حجر، خاشعًا؟ لأن الحجر مجموعة ذرات، وهذه الذرات تفهم الإشارات ولها حديث ولها لغة، فكل الوجود يعترف لله بالفقر والنقص والحاجة. ولتوضيح هذا المعنى، أضرب مثال الحرارة والنار: هل تستغني الحرارة عن النار؟ إنها في كل لحظة تحتاج إلى المدد منها، فهي عين الفقر وعين الارتباط بالنار، لا تستغني عنها آنًا واحدًا. كذلك الوجود كله، في كل لحظة، يعيش الحاجة والفقر والنقص والارتباط بالله تبارك وتعالى، وهذا هو حديث الكون وتسبيحه لله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]
الذكر الجليّ والذكر الخفيّ
الذكر ذكران: ذكر جليّ، وهو ذكرنا لله بحضور مجالس الذكر ومجالس أهل البيت، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]
وذكر خفيّ، وهو ما ورد في مناجاة الذاكرين للإمام زين العابدين عليه السلام، إذ يقول: "إن من أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا"، ثم يقول: "اللهم ألهمنا ذكرك في السرّاء والضرّاء، والليل والنهار، والإعلان والإسرار، والخلاء والملأ"، ثم يقول: "اللهم آنسنا بالذكر الخفيّ، واستعملنا بالعمل الزكيّ، والسعي المرضيّ". فالذكر الخفيّ يحتاج إلى أن يخلو الإنسان بنفسه بينه وبين الله، فيشعر بالحاجة إليه وهو ذليل خاشع بين يديه.
المحور الثاني: حقيقة الدعاء وشروط استجابته
الذكر الخفيّ هو الدعاء. فما حقيقة الدعاء؟
حقيقة الدعاء
الدعاء هو أن تُحوِّل شعورك بالغنى والكثرة إلى شعور بالوحدة والنقص والفقر. في كتاب "قوة العقل الباطن" لجوزيف ميرفي، وهو من أشهر كتب التنمية الذاتية، يُشار إلى أن للإنسان عقلين: عقل واعٍ يفكر، وعقل باطن يختزن الذكريات، ويحتاج إلى استثارة. ويرى صاحب الكتاب أن للمعتقدات والمبادئ تأثيرًا على سلوكنا من خلال استثارة العقل الباطن.
كيف نستثير العقل الباطن بالدعاء؟ نحن الغافلون نعيش دائمًا شعور الكثرة والغنى، قال تعالى:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]
وقال:
﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠]
فطموح الإنسان في الغالب أن يكون طبيبًا أو أستاذًا جامعيًا، ليس لذاته، بل ليوفّر ثروة ومنصبًا وحسابًا في البنك. وهذا الشعور بالكثرة هو الذي يجعل الإنسان ينحو نحو الطغيان والبغي:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: ٦-٧]
فهذا الشعور بالكثرة يُبقينا في غفلة حتى يأتينا الموت:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١-٢]
وقال تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]
﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]
فالدعاء يدعوك إلى تغيير الشعور من الغنى إلى النقص، ومن الكثرة إلى الوحدة، وهذا هو معنى استثارة العقل الباطن. يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصف المتقين: "أما الليل فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلًا، يُحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم".
شروط استجابة الدعاء
كثيرًا ما يُسأل: نحن ندعو بإخلاص، فلماذا لا نرى أثرًا لدعائنا؟ هذا السؤال نفسه سُئل الإمامَ الصادق عليه السلام، وفي ذلك رواية عثمان بن عيسى عمّن حدّثه عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "آيتان في القرآن أطلبهما ولا أجدهما"، يعني لا يرى أثرًا لهما. قال: "ما هما؟" قال: قوله تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]
"وإني أدعو ولا يُستجاب لي". فقال الإمام الصادق عليه السلام: "أفترى أن الله أخلف وعده؟" قال: لا. قال: "فَمِمَّ ذلك؟" قال: لا أدري. قال عليه السلام:
"إذا أطاع المؤمنُ ربَّه فيما أمره به من الدعاء، ودعاه من جهة الدعاء، أجابه." قلت: وما جهة الدعاء؟ قال: "تبدأ فتحمد الله وتذكر نعمه عليك فتشكره، ثم تصلّي على محمد وآل محمد، ثم تذكر ذنوبك فتُقرّ بها وتستغفر منها، ثم تدعو، فهذه جهة الدعاء."
ثم سأله عن الآية الثانية، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]
فقال: أنا أنفق ولا يُخلف الله شيئًا. فقال الإمام عليه السلام: "إن أحدكم إذا اكتسب المال من حِلّه وأنفقه في حِلّه، لم يُنفق درهمًا إلا أُخلف عليه."
انطلاقًا من شرح الإمام الصادق عليه السلام، يمكن استخلاص شروط الدعاء:
الشرط الأول: الإخلاص. ألا يكون الدعاء مجرد لَقلَقة لسان، بل نابعًا من أعماق القلب. ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلبٍ غافل لاهٍ."
الشرط الثاني: الوسيلة. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]
والوسيلة هي محمد وآل محمد. فعن هشام بن سالم، عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا يزال الدعاء محجوبًا حتى يُصلَّى على محمد وآل محمد."
الشرط الثالث: النقاء. بمعنى أن يكون الإنسان مستقيمًا، فإذا كان طوال وقته في المعاصي والمشاكل، ثم دعا عند الحاجة، كان صوتًا شاذًا؛ إذ لا بد أن يكون صوت الداعي مألوفًا لله، لكونه مطيعًا مواظبًا على العبادة والدعاء. قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]
الشرط الرابع: الخروج من الأنانية إلى الغيرية. فأدعيتنا غالبًا: "اغفر لي وارحمني وارزقني وارزق أولادي"، كلها لنا، فلا بد أن ندعو لغيرنا كي يكون ذلك سببًا لتوفيقنا واستجابة دعائنا. ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من قدّم أربعين مؤمنًا ثم دعا، استُجيب له."
المحور الثالث: حاجتنا إلى الدعاء
هل نحن حقًا بحاجة إلى الدعاء؟ نعم، هناك حاجة طبيعية فطرية إليه، نذكر منها عدة حاجات:
الحاجة الأولى: التنفيس والشكوى
نحن نمر بأزمات خانقة ومشاكل خاصة وعامة وآلام ومعاناة، فإلى من نشكو؟ إلى من ننفّس؟ الدعاء فرصة ثمينة للتنفيس وبثّ الشكوى ونداء القلب، كما فعل النبي يعقوب عليه السلام:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]
وفي دعاء كميل: "إلهي من أسأله كشف ضرّي والنظر في أمري غيرُك؟" فلا يوجد من يسمع شكوانا أو يفهم مشاعرنا سواه سبحانه. وتقول سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام في دعائها: "تجد يا ربّ من تُعذّب غيري، ولا أجد من يرحمني غيرك."
فإذا كتم الإنسان آلامه وأحزانه في داخله دائمًا، نتج عن ذلك الشعور بالحزن والكآبة واليأس، وربما قاده ذلك إلى الانتحار أو الأمراض النفسية. فلتحقيق هذه الحاجة الفطرية إلى البوح والشكوى، لا بد من ممارسة الدعاء والخلوة مع الله والذكر الخفيّ.
الحاجة الثانية: طمأنينة القلب
هناك حملة تشويهية للإيمان بالله وللدعاء وللفطرة، كما في كتاب "نهاية الإيمان" و"الله ليس عظيمًا" لسام هاريس، إذ يزعم أصحابها أن الأفكار الدينية أفكار خطيرة وأن الدعاء لا أثر له. لكن في مقابل هؤلاء، يرى أندرو نيوبيرغ، أستاذ علم الأعصاب، في كتابه "كيف يغيّر الله عقلك"، أن الصلاة والدعاء يعززان الأداء العصبي للدماغ، ويسهمان في تحسين الصحة البدنية والنفسية، ويمنحان الإنسان شعورًا بالأمن والسلام والوعي الاجتماعي، ويقول: "الله جزء من وعينا، وأنا أقول بكل ثقة: يمكن أن يغيّر الله دماغك."
فالقرآن الكريم يركز على القلب أكثر من تركيزه على العقل؛ لأن العقل وظيفته التحليل والتفكير، ولا يوصل إلى الاطمئنان، بينما القلب هو وعاء الفرح والحزن والرضا والغضب والقلق والاطمئنان. لذلك يقول القرآن:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]
فالقلب موطن القلق والتوتر، ونحن اليوم نعيش القلق من الحروب، والقلق على الرزق، وعلى مستقبل الأولاد، وعلى عالم الإيمان والإسلام. فما الدواء لذلك؟ إنه الدعاء وذِكر الله:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]
فذكر الله يوفّر الاطمئنان والاستقرار.
الحاجة الثالثة: الضمير الاجتماعي
نحن نعيش أعمارنا من أجل الجيب والبطن والوسادة الناعمة، وليس ذلك كافيًا؛ فنحتاج أن نشعر بآلام الآخرين ومعاناتهم. والدعاء تمرين على الشعور بالآخرين، ويُخرج الإنسان من الأنانية إلى الغيرية. ومن المستحبّات في صلاة الليل أن يدعو المصلي لأربعين مؤمنًا بأسمائهم، بل يحرص العلماء على أن يدعو الإنسان لمن ظلمه، لا لمن أحسن إليه فقط، تدريبًا للنفس على التنازل والشعور بالآخر، وإذابة غطرسة الأنانية.
هكذا كانت فاطمة الزهراء عليها السلام، يقول الإمام الحسن عليه السلام: "ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت في محرابها لا تنفتل من صلاتها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها... وما رأيتها دعت لنفسها قطّ، وإنما كانت تدعو للمؤمنين والمؤمنات." فقلتُ لها: يا أماه، لِمَ لا تدعين لنفسك؟ فقالت: "يا بنيّ، الجارُ ثم الدار."
الحاجة الرابعة: الدعاء عشق
الدعاء ليس مطلوبًا فقط لتحقيق حاجة معينة، بل هو مطلوب في نفسه؛ فهو حالة عشق، وحالة عروج، وحالة ارتباط بالله ولقاء المحبوب. قال تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]
فالإنسان يرتقي إلى الله بالدعاء، وهذا حالة تربوية نفسية مطلوبة في ذاتها.
ختام: عشق الأئمة للدعاء ودروس كربلاء
كان أهل البيت عليهم السلام يعشقون الدعاء، ومن ذلك دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: "إلهي ما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا بأمرك مستخفّ، ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك شقوتي، وغرّني بذلك سترك المرخى عليّ... ويحي، ويحي، كلما طال عمري كثرت خطاياي، أما آن لي أن أستحي من ربي؟"
وفي دعاء آخر: "إلهي كيف أدعوك وقد عصيتك؟ وكيف لا أدعوك وقد عرّفتني نفسك؟... إلهي إن الطاعة تسرّك، والمعصية لا تضرّك، فهب لي ما يسرّك، واغفر لي ما لا يضرّك."
هذا الدعاء هو الذي صنع أبطال كربلاء؛ فالعبادة والدعاء هما اللذان جعلا منهم أبطالًا حقيقيين، يضحّون ويبذلون ويدافعون عن المبادئ والقيم. الحسين عليه السلام، سيدهم، وهو يقول: "هان ما نزل بي، أنه بعين الله." ويقول: "إلهي، تركتُ الخلقَ طرًّا في هواكِ، وأيتمتُ العيالَ لكي أراكِ."
وحتى الصغار كانوا أبطالًا يوم كربلاء؛ فعبد الله بن الحسن، الطفل الصغير، قُتل على صدر عمّه الحسين عليه السلام، وهو يحاول حمايته. والقاسم بن الحسن، الغلام اليافع، استأذن عمّه الحسين في المبارزة، فأذن له، وودّعته عمّته زينب عليها السلام قائلة: "ولدي قاسم، سلّم على أمي فاطمة الزهراء، وسلّم على أبي علي بن أبي طالب." ثم برز إلى المعركة واستُشهد، فحمله الحسين عليه السلام على صدره وهو يقول: "يعزّ عليّ يا ولدي أن أراك صريعًا."
نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الداعين، وأن يوفقنا لسلوك سبيل أهل البيت عليهم السلام في العبادة والدعاء والصبر.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفَّنا مع الأبرار، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، وقضِ حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، اللهم فكَّ الأسرى، اللهم احفظ المسلمين والمؤمنين في كل مكان، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًّا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلًا، حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتّعه فيها طويلًا، وإلى أرواح أمواتكم وأموات المؤمنين والمؤمنات الفاتحة.
